ليلة تقرير لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة برئاسة الإيرلندي بيتر فيزجيرالد بألف ليلة وليلة.
كانت ليلة ساعات الانتظار الطويلة والثقيلة، وليلة الإثارة التي ما بعدها إثارة ليس في تاريخ لبنان، بل في تاريخ العالم.
كانت أول من أمس ليلة فيتزجيرالد. ليلة أقوى تقرير في تاريخ الأمم المتحدة، وليلة الكشف عن أقوى النتائج التي يمكن أن يسطّرها تقرير أممي في عشرين صفحة.
كل صفحة وكل كلمة في التقرير جاءت تعادل ثلاثين سنة من حياة اللبنانيين على مسرح الأحداث وتحت ظلمة وظلال الجريمة. قبل التقرير بساعات استمعنا كثيراً الى منظري التمويه والتضليل ولحملات تمهُد لتغليف الأمور بنوع جديد من الكذب وإهراق دموع التماسيح على الشهيد.
ظنوا أن إبداء حسن النية والحرص على التعاون مع الأمم المتحدة سيخفف مما لا مفرّ من قبوله، ومحو الدعوة الى لجنة تحقيق دولية مستقلة وكاملة الصلاحيات تعمل ضمن البند السابع من قرارات مجلس الأمن وليس البند السادس الذي يتيح لهم مزيداً من الكذب والمناورة والمواربة والتضليل.
فجاء تقرير فيتزجيرالد يتهم في إحدى فقراته الأجهزة مباشرة بالكذب مما ينعي النعي، ويؤكد الظن أن العروش سوف تتدحرج وكثيراً من القامات ستسحب من كراسيها، ومن أنهم سيصطفون أمام منصات العدالة الدولية، وعلى مقربة من ميلوسوفيتش قريباً وقريباً جداً.

هذه نعتبرها مقدمة للتحقيق الذي سيستدعي الكثيرين وأولئك الذين استقووا علينا طويلاً بدءاً من الكبار الكبار في الناحية القريبة، وفي الجوار. وها هم بدأوا يهرولون من إميل لحود الى سليمان فرنجية ويتخلون عن قضيتهم ويتدحرجون.
ليلة مؤثرة للبنانيين الذين هالهم التوضيح الذي أعطته اللجنة من أنه ربما تكون العملية قد نفّذت بعبوة متفجرة من مادة "تي أن تي" تزن نحو الطن!
يا الله كم يساوي حقدهم الأسود على رفيق الحريري وعلى وليد جنبلاط وعلى جسد المدينة وعلى لبنان، وعلى نحو من الجريمة المنظمة التي جعلت لغة الشرطي فيتزجيرالد قاسية وفجة من جهة أخرى لنظامهم البوليسي.
لغة التقرير جعلت مراسلة "الحياة أل بي سي" في نيويورك راغدة درغام، الصحافية الهادئة، تتعامل مع كلماتها الدقيقة حتى لا يحدث التباس وهي تحاول قراءة بعض ما ورد في التقرير أو ما سرّب إليها منه.
أطلّت راغدة درغام، وهي الأفضل من دون تعقيد أفكار وخبرة مهنية عالية في الحلقة الخاصة من أربعين الشهيد رفيق الحريري التي قدّمها مرسيل غانم واستضافت مطوّلاً مروان حمادة.
لم نشبع من رؤية حمادة حياً على الشاشة المتلفزة.
آه كم نحن شعب يحب الحقيقة والحياة.
كشح التقرير سواد العين والقلق كي لا يعاد انتاج ماضي القتل فإذا التقرير يتهم الأجهزة اللبنانية السورية مباشرة ويدعو الى إعادة بناء وإصلاح الأجهزة من أجل أمن البلاد واستقرارها.
هذا في وقت رفضت دمشق بشدة التقرير واعتبرته منحازاً الى المعارضة، أكثر من ذلك ذهب ممثل سوريا في الأمم المتحدة فيصل المقداد في دعوته بعيداً فطلب استدعاء المعارضة..

جيد سيدي السفير، ستستدعي عطفاً على رغبتكم كلاً من الشهيد الرئيس رفيق الحريري، كما ستستدعي للتحقيق مروان حمادة، وإذا بدك سنعود للقديم فنستدعي كمال جنبلاط والمفتي حسن خالد والرئيس رينيه معوض وآخرين. سنقول لهؤلاء لماذا قتلتم أنفسكم، وسنعيد بناء على رغبة الأشقاء السوريين نبش قبور هؤلاء ونؤكد أنهم هم من اعتدوا على أنفسهم. هكذا تهدأ خواطر السيد مقداد ومعلمه فاروق الشرع ورأفة بدموع التماسيح التي ذرفها الباكون الجدد.
عودة الى راغدة درغام والى حرب الإعلام اللبناني والعربي والعالمي المباشرة ضد كل ضربات العنف والإرهاب.
شكراً لهذا الإعلام الذي جعل اللبنانيين يسرون مع رفيق الحريري ليلاً الى الحلم والهناء لكشف الحقيقة في المطالعة التمهيدية التاريخية لبعثة لجنة تقصي الحقائق.
كانت لحظة تاريخية، الفيصل، بين زمن الظلمة الذي نعتقد أنه مضى وزمن آت مضيء في معادلة دمعة الحرب على أكل ما ذقناه في زمن الأجهزة الذي يتولى.

لحظة تاريخية في الحرية والسيادة والاستقلال، ذات قيمة وجودية مضافة أحدثها تقرير فيتزجيرالد.
لحظة استطعنا معها إطلاق الأنفاس وصرنا كالهواء من دون خوف وتعقيد، خطوة تمهيدية أساسية لتنظيم أفكارنا والتحرر من عبث الأشرار والتلاعب باستقرارنا.
ليلة الحقيقة، ليلة مرئية في التصميم الإنساني العالمي وفي آخر الحروب المضادة للإرهاب.
كل العالم معنا في لحظة الصدمة.
انها لحظة الحقيقة لمعنى التحقيق الدولي عن حرب العنف.
انها المعركة التي يخوضها العالم الحديث والصحوة الهائلة في الشبكات الإعلامية والعربية منها لمواجهة عالم جريمة يزف سياسياً بطريقة رهيبة.
شكراً فيتزجيرالد، كلماتك الثقيلة عليهم والحادة لا شيء أمام معاناة اللبنانيين وكشفت كل منظري الجريمة والتخوين والترهيب والتمويه.