بين الكنيستين الشرقية والغربية مفهوم متباين حول عظمة الألوهة في المسيح ففي الوقت الذي تركّز فيه الكنيسة الغربية على سر الفداء وعذاب يسوع من أجل خطيئة العالم وقبوله الصلب طوعاً لأجل الخلاص البشري، تركّز الكنيسة الشرقية على التجسّد المكلّل بالقيامة حيث إنه لو لم يقم المسيح لكانت قد بطلت الديانة المسيحية واعتُبرت مجرد بدعة يهودية.
لذا يأتي الاسبوع العظيم المقدس كما تسمّيه الكنيستان لتندمجا معاً في الجمعة العظيمة وأحد القيامة حيث تتحول لعنة الصليب إلى قيامة الله.
وفي هذا يُطرح الألم البشري كصدى للألم الالهي، ويصبح كل عذاب يتعرض له الانسان يأخذ معناه من خلال وضع هذا العذاب في وحدة مع العذاب الالهي فيتقدّس الألم لا من منطلق سادي او مازوشي بل من منطلق الاتحاد بين الله والانسان. الله تألم من اجل الانسان، الانسان يتألم نتيجة ضعفه، لكنه يتخذ من الالم قوة إذا ما وضعه وضع نفسه بين يدي الله.
وإذا كان الألم بمحدوديته الجسدية ولا محدوديته المعنوية يندرج ضمن حدودية جسد الانسان ولا محدودية وجدانيته وعاطفته، فإن العلاقة بين الإنسان والله تسجّل في حساب الوجدان والعاطفة وتدخل الخير المطلق. من هنا يبقى القلق الوجداني والذي هو نوع من الألم المعنوي قائماً إلى ان يتحد الانسان بالله ويعود اليه بحسب قول القديس اغسطينيوس lt;lt;ستبقى نفسي قلقة حتى ترتاح فيك يا اللهgt;gt;.
الألم الذي يتعرّض له الانسان ذو وجهين: وجه آني ومرحلي وفيه يتألم الانسان وهو عارف ان هذا الألم سينتهي وسيرتاح بعده وفي هذا الرجاء تعزية ومساعدة على تحمّل الألم مهما بلغت شدته.
في حين أن الوجهة الثانية للألم هو الألم الذي يعرف الانسان انه لن ينتهِ وبالتالي لا شفاء منه، عندها يقتله اليأس ويصبح ألمه اشد مرارة وعذاباً، لقد أعطت المسيحية في القيامة رجاء يتخطى حدود الجسد بحيث إن اليأس صار ممنوعاً في الديانة المسيحية وصار مرادفاً للتجديف على الروح القدس حيث إن الروح هو المعزّي الدائم وبالتالي الرجاء المأمول حتى أن بعض الآباء اعتبر أن خطيئة يهوذا الاسخريوطي هي في تسليم يسوع للكتبة والرومان، لكن الخطيئة الكبرى له هي عندما ذهب فشنق نفسه، إنه يئس من رحمة الله واعتبر نفسه انه لن يستحقّ الغفران والرحمة فكفر بذاته الممزوجة من لدن الله ونبذ الحياة التي أعطاه إياها الله واعتبر ان رحمته تعالى ذات حدود فأدخل مطلقية الله في نسبيته هو.
لقد درجت في الكنيسة الشرقية خصوصاً عبارة الفصح الذي يعني العبور من الموت إلى الحياة ولطالما كان الرمز هو البيضة التي يخرج منها الصوص من الموت إلى الحياة ولكنها ذات خصوصية، فالبيضة مغلقة تماماً ومع ذلك تنبثق منها الحياة، وهكذا حال الانسان الذي يرى ذاته او يراه الآخرون انه قد سدّت في وجهه كل الآفاق واغلقت عليه كل الابواب ومع ذلك فانه سيقوم من بين الاموات ويتحدى عوامل الانغلاق اللحدي لينطلق في عالم الحياة الالهية.
وإذا كان العبور اليهودي قد تمّ من حالة العبودية في مصر الى حالة الانعتاق نحو حرية الارض والحياة فإن العبور المسيحي قد تم من حالة العبودية للاهواء والضعف الجبري للانعتاق نحو الحرية مع الله.
وهذا يترافق مع التضحية والنعمة، فالانسان إذ يضحي ببعض سعادته كي يربح سعادة أكبر ليس أكثر من تاجر، وهذا حق مشروع، أن يضحّي بأهوائه حيناً ليربح استقراراً هنياً احيانا او الذي يضحّي بسن من اجل ان يرتاح فمه، او ان يضحي ببعض رفاهيته من اجل ان يعلم اولاده، اوا ن يضحي شبان وشابات بالنوم على أسرتهم والنوم في العراء من اجل الوصول الى حرية وطنهم. هذه التجارة المشروعة هي أساس في مفهوم التضحية، وهي إذ تأخذ معناها الحقيقي عندما يضحّي الفرد لأجل الجماعة حتى ولو لم يكن مردود الجماعة يطاله كذلك الذي يسير في مقدمة معركة لينتصر وطنه عارفاً أن موته شبه محتم.
ولأن الانسان ضعيف في عطاءاته، لذا تأتي النعمة كعطية مجانية مساعدة للانسان كي يرتقي فوق ضعفه ويتمكن من ايصال قناعاته وايمانياته الى الفعل متخطياً الارادة. فالارادة هي فعل ممكن لكنه غير محقق، وهذا يمكن ان يكون عند غالبية الناس، لكن تحقيق الفعل يحتاج الى ايمان وتضحيات وهذا ما لا يتمكن منه كل الناس.
الفصح هذا العام هو حقيقة فعل عبور في لبنان، عبور من حالة الى حالة من وضع ميؤوس الى امل مرتجى، ومن صليب معاناة الى قيامة جديدة تفتح نوافذ حياة مشرفة لأطفالنا. فلتكن فقسة البيضة عربونا للولوج في لبنان جديد














التعليقات