منذ حصول دول العالم الإسلامي على استقلالها نجدها قد وقعت في اشكالية ما بين ما هو مفروض وما بين ما هو واقع مما جعلها تعجز عن اتخاذ مواقف ايجابية وتحديد متى وكيف تكون ردود أفعالها تجاه الأحداث المؤثرة لتحقيق أهدافها التي فشلت في تحقيق الكثير منها رغم عدالة قضاياها.

ورغم ان للمسلمين تاريخاً عريقاً وحضارة وارثاً ثقافياً كبيراً، ولكن في الزمن الحاضر لا يحظون بالمكانة التي توازي هذا الإرث لدى دول العالم غير الإسلامي ويتعرضون لما يجرح مشاعرهم دون قدرة مؤثرة لإيقاف مثل تلك التصرفات، وقد يعود هذا إلى وجود قصور في معرفة كيفية مواجهة تلك المحاولات المتكررة للنيل من كرامتهم وتقاليدهم عكس جاليات أخرى.

فلننظر ايها القاريء العزيز إلى «السيخ» مثلاً فرغم انهم أقلية بسيطة تتواجد في كندا والهند وبريطانيا إلا أن الحكومة البريطانية ووسائل الإعلام تتفاعل مع أي صرخة تصدر عن هذه المجموعة حتى ولو كانت بخصوص دراما، فمسرح بيرمينجهام قام بإيقاف عرض مسرحية كتبها كاتب من السيخ عندما تظاهر مئات السيخ ضد عرض هذه الدراما، ولم تتدخل الحكومة فحسب بل ان رئيس الوزراء نفسه تدخل لتجنب حدوث ما من شأنه ان يثير أحداثاً مؤسفة.

فعدد السيخ في بريطانيا لا يتجاوز ستمئة ألف نسمة والحكومة البريطانية نفسها لا تحصل على عائد مادي كبير من ورائهم سواء أكان من الضرائب أو مساهمتهم في قطاع الأعمال، فالسيخ ليس لديهم وطن أو دولة خاصة بهم فهم لا يمثلون إلا شريحة صغيرة من المجتمع البريطاني ومع ذلك استطاعوا ان يضغطوا على الإدارة البريطانية حتى تم إيقاف المسرحية.

ولننظر أيضاً إلى حادثة كين ليفنجستون عمدة لندن الذي واجه مظاهرة عارمة من مجموعة يهودية لسبب بسيط هو انه قام بالإساءة إلى محرر يهودي ونعته بأنه مجرم حرب، ولكن الجالية اليهودية في بريطانيا التي لا يتجاوز عددها ثلاثمئة ألف طالبت باعتذار رسمي. حينها تدخلت الحكومة البريطانية ونصح رئيس الوزراء البريطاني عمدة لندن بالاعتذار وتطييب خاطر اليهود الذين جرحتهم مقولته وكونه رفض فهذا أمر آخر، ولكن ماذا لو ان الذي تمت الاساءة اليه أو جرحت مشاعره كان مسلماً؟! هل كانت ستكون هناك أي مقاومة مثل التي قام بها السيخ واليهود الذين يشكلون أقلية لا تذكر؟

ونجد دليلاً على ذلك الملاحظات التي ابدتها الوزيرة البريطانية هزيل بليرز المسؤولة عن مكافحة الإرهاب عندما ذكرت انه على المسلمين قبول الواقع من حيث انه سيتم إيقافهم أو تفتيشهم بواسطة الشرطة أكثر من غيرهم من المواطنين الآخرين في بريطانيا، وأدلت الوزيرة بهذا التصريح فيما يتعلق بالعمليات والاجراءات المعنية بمكافحة الإرهاب منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأشارت في معرض حديثها عن الأحداث التي وقعت بمنتهى الصراحة والوضوح.

ولم تعنِ الوزيرة بمدى ما يسببه من آلام وكأنها تتحدث مثلا عن جدران صماء لا تشعر بجرح كبرياء، وفي الحقيقة ان كلامها استهدف مليوناً ونصف مليون مسلم من رعاياها لديهم أحاسيس ويشعرون بجراح نفسية ورغم أنهم ليس لهم صلة بالإرهاب إلا انها وهي تتحدث عنهم كانت تدرك ان تلك الفئة عديمة التأثير ولن يكون لهم رد فعل على تلك التعبيرات الجارحة في الوقت الذي أتحداها ان تستطيع ان تطلق مثل تلك التصريحات الجارحة على فئات أو جاليات أخرى، بل انها ستفكر ألف مرة قبل ان تطلق تصريحات جارحة ضد جاليات أو فئات أخرى لإدراكها مدى ما يمكن ان تتعرض له من ردود فعل قوية رغم ان تلك الفئات ربما تكون أقل عددا وتأثيرا اقتصاديا من المسلمين.

السؤال المثار الآن ماذا ينقص الدول الإسلامية أو منظمة المؤتمر الإسلامي؟

ان حال المسلمين سيكون أفضل لو كان حال الدول الإسلامية أقوى وسوف تأخذ المنظمة قوتها من خلال مواقف حكومات الدول الأعضاء التي يجب ان تعبر عن آمال شعوبها خير تعبير، وقتها سوف تصبح الدول الإسلامية قادرة على رفع صوتها واتخاذ مواقف قوية ومشرفة لأن الحكومات هي التي تتخذ المواقف لحماية رعاياها وهي على علم بما يجري لرعاياها عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر حيث انه واضح وضوح الشمس ان المسلمين ودينهم مستهدفون وذلك من خلال المعاملة السيئة التي يلقاها المسلمون خارج أوطانهم.

في الحقيقة يشعر كثير من المسلمين بالأسى عندما يرون الحكومات التي تمثلهم لا تستطيع اتخاذ أي مواقف قوية أو على الأقل أي ردود فعل تجاه ما يحدث للمسلمين في الدول غير الإسلامية وكأنها لا تمثل هؤلاء الرعايا المضطهدين قدر ما تمثل نفسها وحيث لا تشكل أي ثقل سياسي في الخارج يمكن استغلاله.

وفي اعتقادي لو أن تلك الحكومات كانت منتخبة هل كانت ستصمت وتسمح للدول التي تعيش فيها اقليات مسلمة ان يواجهوا مثل تلك الاهانات الجارحة؟!، بالطبع لا، لأنهم يعلمون ان شعوبهم سوف تحاسبهم، ولكن لأنه ليس هناك محاسبة في الجمهوريات الإسلامية لذلك لا يتخذون المواقف التي تعبر عن تطلعات شعوبهم ورفض أية ممارسات يتعرض لها المسلمون شأنهم في ذلك شأن أي جالية أخرى في أية بقعة من بقاع العالم ويصبح للمسلمين صوتهم المسموع.

وتلك المواقف الجارحة كثيرة الوقوع، فكلنا يعلم بوجود حرية الكلام والتعبير في بريطانيا، ولكن مثلا نجد ذوي الأصول البريطانية لا يهتمون بالعبارات النقدية التي توجه ضدهم أو على أساس ماضيهم أو جنسهم أو ديانتهم او ثقافتهم، ولم يقدم أحد من هؤلاء أي شكوى بسبب هذه الانتقادات حتى وان جاءت في كتب أو مجلات أو في التلفزيون او الأفلام السينمائية، ومع ذلك لا يشعر هؤلاء بالاهانة ويأخذون هذه الانتقادات برحابة صدر حيث اتفقوا منذ زمن طويل على ان هناك جزءاً من المثاليات والقيم في العالم الحر اسمه حرية التعبير.

ولكن تجد ان الجيل الجديد من المواطنين البريطانيين حيث المسلمون والهندوس والسيخ والسود ليسوا على وتيرة واحدة، إذ ليسوا كلهم متسامحين على الإطلاق ويشعرون بالانزعاج إذا ما تناولهم أحد بالسخرية من حيث الدين أو العرق فإنهم يشعرون بالألم وينزعجون لذلك ويعترض بعضهم عليه، ولكن وحدهم المسلمون نادرا ما تجد من يرفع صوته للدفاع عنهم.