لسنا نادمين على كلمة واحدة!
عائلة غلاييني رفعت دعوى على جميع "المقصرين والمستهترين"
اثارت قضية اختفاء جثة المواطن عبد الحميد غلاييني غضباً في الشارع اللبناني, فبعد الانفجار الذي وقع في 14 فبراير الماضي وادى الى استشهاد الرئيس رفيق الحريري وعدد من مرافقيه، تحرك افراد عائلة الشهيد غلاييني مطالبين بجثته، خصوصاً انه كان موجوداً قرب مكان الانفجار, واخذت الاصوات تعلو يوماً بعد يوم، وشكا افراد العائلة من اهمال الدولة والمسؤولين والتقصير في القيام بواجبهم حيال مواطن لبناني, وبعد سلسلة من التحركات قامت بها العائلة عبر التظاهرات والاعتصامات، تمكنت من تحقيق هدفها، فقصدت بعد 17 يوماً مكان الانفجار وعثرت على الجثة مغطاة بطبقة من التراب لا تزيد سماكتها على عشرة سنتيمترات، وذلك بعدما لاحظ افرادها وجود ذباب ازرق حول المكان.
كيف يعيش افراد عائلة الشهيد غلاييني، وهل تمكنوا من تحقيق اهدافهم بعدما عثروا على الجثة.
الابنة الكبرى لمى، قالت انهم رفعوا دعوى على اي شخص تجاهل امرهم ولم يقم بمسؤولياته، واكدت انها تريد ان تتكلم لا ان تبكي لان البكاء يجعل الناس يشفقون عليها، بينما الكلام يمكنها من ايصال رسالتها بطريقة افضل, واوضحت انها لم تعش حتى الآن شعور اليتم وفقدان الاب لانها تشعر بان والدها لا يزال موجوداً، وبانه مسافر كعادته وسيعود قريباً, وتابعت انها لم تندم على اي كلمة وجهتها الى المسؤولين او القضاة، لانها كانت كلمات صادقة حاولت من خلالها ان تعبر عما حدث.
اما ارملة الشهيد فاكدت ان زوجها كان محباً ومسالماً وهي تعيش لحظات قاسية جداً من دونه، مع ان ابنتيها لمى ورنا الى جانبها, واوردت ان صهرها تنبه الى وجود ذبابة زرقاء في مكان الحادث ساعدتهم في الوصول الى الجثة، مع انهم كانوا قد بحثوا في المكان نفسه قبل ذلك.
اما الابنة الصغرى رنا، فاوضحت انها تشعر بالألم رغم الناس الذين يحيطون بهم دائماً.
في منزل العائلة في منطقة عين المريسة، التقت «الرأي العام» اسرة الشهيد غلاييني، وبعدما قامت بواجب العزاء تحدثت الى ارملته وابنتيه الكبرى لمى والصغرى رنا وسجلت الآتي:
سألنا لمى اولاً: بدوت اكثر انفعالاً من سائر افراد الاسرة عندما ظهرت في الاعلام، هل لانك كنت تعيشين في الخارج ولم تشاهدي والدك منذ نحو ثلاثة اشهر؟
ـ بل كل افراد العائلة كانوا منزعجين، ولكن كل شخص يعبر بطريقته, ثمة من يعبرون عن حزنهم بالبكاء وآخرون بالخلوة والصمت، وقد عبرت عن احساسي بالكلام.
ثم سألنا زوجة الشهيد: كيف تعيشين اوقاتك بعيداً من رفيق العمر؟
ـ اشعر بفراغ كبير, كان الشهيد يمضي معظم وقته معي عندما يعود من السعودية.
وهل كان يعيش في الخارج؟
ـ بل يعمل هناك.
ومتى عاد الى لبنان ؟
- قبل نحو شهرين, زوجي كان يعمل بين لبنان والسعودية ويمضي 20 يوماً هناك ليجدد اقامته وينجز بعض الاعمال ثم يعود.
لا شك في انك تعيشين لحظات صعبة ؟
ـ جداً، لمى ورنا الى جانبي لكني اشعر بان شيئاً ما ينقصني, لا احد يمكن ان يعوض الآخر، لكنني صابرة ومؤمنة بارادة الله.
لمى: عندما نضعف نستعيد الذكريات الحلوة التي عشناها معه.
مسالم ومحبّ
ارملة الشهيد: كان زوجاً مسالماً ومحبّاً ويبذل كل الجهد لنكون سعداء ومرتاحين, رزقنا بابنتين رباهما وعلمهما احسن تعليم, لمى مخطوبة وكان من المفترض ان تتزوج بعد فترة.
لمى: لم يقصّر في واجباته لا حيال عائلته ولا حيال الناس ولا حيال ربه, قبل استشهاده باسبوع رأيت في نومي ان والدي توفى, وعندما استيقظت اتصلت به لأطمئن اليه, لم آخذ هذا الحلم على محمل الجد، إلا ان خالتي رأت في نومها مجموعة اشخاص يسيرون في اتجاه واحد، وجوههم بيضاء ومغطاة بالدم.
شعور اليتم وفقدان الاب ماذا عنه؟
ـ تسألينني عن شعور لم اعشه حتى الآن, لا نزال نشعر بانه معنا, والدي كان يسافر الى الخارج ونشعر دائماً بانه سيعود.
زوجة الشهيد: لا نزال منهمكين بالناس الذين يزوروننا لتقديم واجب العزاء, ربما عندما اصبح لوحدي اشعر بغيابه اكثر.
لمى: الله لن يتخلى عنا، مهما مررنا بلحظات عصيبة سوف نجد الحوافز التي تجعلنا اقوياء سواء بالذكريات او بالاحساس.
رنا: مهما كنا محاطين بالعائلة، لا بد من ان نشعر بالغربة, لا احد يشعر بالفاجعة الا عندما يصاب بها، الله يصبرنا.
وسألنا لمى: اذكري لنا موقفاً لا يمكن ان تنسيه؟
ـ عندما كنت اتصل به كان يدعو لي بالتوفيق والخير والقوة, كان يقول لي: ثبتي ايمانك برب العالمين ولا تقصّري في واجب حياله, نحن لسنا معك لكن الله الى جانبك, كان ايمانه بالله كبيراً جداً، لذلك اختاره واراد ان يكون شهيداً, لا يسعنا القول الا الحمد لله على كل شيء, نحن سعداء بان الوالد مات بهذه الطريقة، فهو اولاً لم يشعر بأي الم وثانياً لان كل الناس سمعوا باسمه وعرفوا من هو عبد الحميد غلاييني, لو تعرفون عدد الاشخاص الذين ترحموا عليه وعدد الذين يختمون تلاوة القرآن، هذا كله يدل على ان الله يحبه وراضٍ عنه, واشكر العائلة التي لم يقصر كبيرها وصغيرها في دعمنا والوقوف الى جانبنا, كما اشكر الاعلام والشيخ بهاء والشيخ سعد وآل الحريري وكتلة قرار بيروت.
يجب ان نبقى معاً
هل ستسافرين مجدداً؟
ـ لن اترك اهلي ابداً، لكن الحياة يجب ان تستمر وكل شخص يجب ان يسعى جاهداً نحو الافضل, الحادث علمنا الكثير, قد اسافر وتكون شقيقتي ووالدتي معي، او بامكانهم ان يعودوا الى لبنان ثم ازورهما بين فترة واخرى, يجب ان نبقى معاً لفترة قصيرة لنحيا الشعور الذي كنا نعيشه كعائلة قبل ان يتركنا الوالد.
مواقفك عبر الاعلام الى اي حد ساهمت في جذب عاطفة الناس؟
ـ لم افكر بهذه الطريقة وبان الناس سيتعاطفون معي من خلال ما صرحت به, ما قلته كان صادقاً وعفوياً لانني كنت اعاني, الله اعطاني القوة لاعبّر عن كل ما كنا نشعر به جميعاً.
هل ندمت على كلام معين صرحت به؟
ـ ابداً، كل كلمة قلتها كانت في مكانها وصادقة ونابعة من معاناة, كل كلمة ذكرت فيها اسم اي قاضٍ او اي شخص لم يتحمل مسؤولية كنت اعنيها, ويمكن ان اردّد الكلام نفسه عن كل شخص تحدثت عنه لانني لم اخترع اي اسم, ضميري مرتاح لانني نقلت ما حدث معي بصدق.
كيف وصلتم الى مكان الجثة؟
ارملة الشهيد: انتبه صهري الى ذبابة زرقاء، وقال: ربما هناك شيء, ثم رفعوا التراب ووجدوا الجثة.
سبق ان مررتم بالمكان نفسه ولم تعثروا على شيء؟
لمى: لم تكن الجثة ظاهرة، ربما اراد الله ان نرى الاسوأ كي نرتاح, بصراحة، صدمنا عندما شاهدنا جثته لانها كانت سليمة ولا يوجد فيها سوى حرق في الوجه, مع اننا في الفترة الاخيرة كنا نتمنى ان نعثر على قطعة من سترته, ثمة حكمة إلهية وراء عدم عثورنا على الجثة بعد حادث التفجير مباشرة, ربما لو وجدنا الجثة في اليوم نفسه لما تحلينا بهذا الصبر وهذه القوة.
تحاولين اغفال السلبيات ؟
ـ لا يوجد سلبيات الا في تقصير الدولة واهمالها و«استهبال» الناس.
لانها حالت دون اقتراب الناس من مكان الانفجار
ـ هذا صحيح, لقد سمحت لبعض الناس برمي الورود في الحفرة، الا انها منعت الدخول, وحتى بعدما وجدنا الجثة، حاولوا ان يمنعوا افراد العائلة من رؤيتها.
من دون ضمير
لماذا تصرفوا على هذا النحو؟
ـ لانهم من دون ضمير وعديمو المسؤولية ولا علاقة لهم بشيء اسمه انسانية, والحمد لله انه توجد حيوانات وحشرات في البلد لانها تعاطفت مع المواطن اكثر مما يفعل المسؤولون.
هل حاولتم الاتصال برئيس الجمهورية ؟
ـ ارسلنا له كتاباً.
بعض القريبين منكم وجه لوماً كبيراً الى رئيس الجمهورية وقال له: ماذا تفعل لو كانت الجثة لاحد افراد عائلتك؟
ـ الشخص الذي ظهر على التلفزيون كان مدسوساً, هناك اشخاص كثيرون مدسوسون ظهروا على التلفزيون واستغلوا الوضع من اجل افتعال بلبلة ونحن لا نعرفهم, بدليل انهم حضروا العزاء وتصرفوا بالطريقة نفسها وتم طردهم, الشخص الذي تكلم على رئيس الجمهورية لا نعرفه ولا دخل لنا به.
ما مضمون الكتاب الذي ارسلتموه الى الرئيس؟
ـ ارسلنا الكتاب في اليوم الثاني من الحادث وشرحنا فيه الوضع وطلبنا المساعدة، الا انه لم يتصل بنا لا هو ولا وزير الداخلية ولا وزير العدل, من تجاوب معنا بعض اعضاء البرلمان وتحديداً كتلة قرار بيروت ودار الفتوى, حتى عندما عثرنا على الجثة لم يرسلوا احداً من جانبهم لتقديم واجب العزاء وكأن شيئاً لم يكن, مع ان والدي كان مواطناً لبنانياً يقوم بكل واجباته, في النهاية لم يعترفوا به، ظل 17 يوماً تحت الانقاض ولم يحرك احد ساكناً.
النقمة تزداد داخلك؟
- نعم، اشعر بثورة وغضب داخلي, اشعر بانني لا اريد البكاء لانه سيجعل الناس يشفقون عليّ، بينما اذا تكلمت تكون الرسالة ابلغ.
كان هدفكم الاساسي العثور على الجثة، فماذا عن اهدافكم الاخرى ؟
- المحامي يهتم بالاهداف الاخرى, لقد رفعنا دعوى على كل شخص تجاهل امرنا ولم يقم بمسؤولياته حيالنا وحيال والدي باعتباره مواطناً لبنانياً.













التعليقات