د. محمد الرميحي
هذه الرسالة الى فخامة الرئيس اميل لحود رئيس الجمهورية اللبنانية من مواطن عربي يشترك مع اللبنانيين، أو قل يشترك مع كثيرين منهم، في طلب المعافاة للبنان وأهله، نتيجة ما عرف حتى الآن من فظائع ارتكبت في الحرب الأهلية اللبنانية وتخوفا من أن يعود ولو ظلها لهذا البلد العربي الجميل، لذا فاني استأذن بان أضع النقاط الثلاث التالية بين يدي فخامة الرئيس، لعلها تُعين.
أولا: في الحرب الكريهة السابقة ضحي بلبنان وبمعظم أهله وقُذف بهم في حرب ضروس، لان البعض اعتقد انه يستطيع أن يفرض على الآخرين وجهة نظره ولو بالقوة، وفشل هذا الخيار بعد أن قدم اللبنانيون البسطاء ثمنا مهولا لا شك يعرفه الجميع، وفخامتك على رأسهم، فقد دمر الوطن وشرد المواطنون، ويُتم آلاف الأطفال وترملت آلاف النساء، وما زالت الآثار النفسية والانسانية والحضارية وستبقى لفترة من الزمن في العقول والقلوب.
واليوم تقتضي الحكمة والعقل ألا يعود البلد الى الخراب، خاصة ان الظروف قد اختلفت تماما والمعطيات الاقليمية والعالمية قد تغيرت، ومن جديد لا يستطيع احد أن يفرض رأيه على الطرف الآخر بالقهر والتسلط.
لعل الجميع يذكر أن الاجتياح الاسرائيلي للبنان في مطلع الثمانينيات كان وقحا وصلفا، ولكن قابله البعض، حتى في الجنوب اللبناني، بشيء من الراحة، بل قيل إأن أرزا ووردا نثرت في الاستقبال الأول، كما نُشر وقتها في وسائل الاعلام، هذا ليس بسبب كره مغروس في نفوس اؤلئك المواطنين للقضية الفلسطينية، ولا هو بالتأكيد قصيدة في حب الغازي الصهيوني، بل إن التكييف العقلاني كان وقتذاك، أن اللبنانيين هناك قد ملوا وعافت نفوسهم الى درجة عميقة التحكم في حياتهم من قبل الغير، حتى لو كانوا أصحاب القضية العربية الكبرى، فهناك حدود للقبول والتضحية، وهؤلاء أنفسهم أو بعضهم هم من حملوا السلاح لاحقا لدحر الغزاة، على القاعدة نفسها، وهي قاعدة أن الوطن لا يشارك فيه احد، شقيق أو دخيل، خاصة اذا رام التدخل الفظ، وهي قاعدة مهما كثر الكلام حولها مزايدة أو مناقصة، هي حقيقة تعلن عدم تقبل فكرة اقتسام الوطن فالوطن لا نقبل القسمة،فالضجة والتأفف من اليد الغليظة الخارجية أمر طبيعي، حتى ولو كانت شقيقة، هي يد غليظة، يكرهها المواطن، وان استقرت بلا سقف زمني تؤجج الوجدان، ويُقلب لها ظهر المجن، ولعلك تلاحظ يا فخامة الرئيس أن القمة العربية قد كرست منذ رأستها في بيروت قبل أعوام كثيرة، طريق (السلام) النافي لخيار الحرب، الذي لا قبل لأحد به، بعد أن سارت أمور كثيرة في مجرى الصراع الاقليمي، فهل يذهب لبنان ولو شعارا، الى الحج وقد عاد الناس منه! وهل له قٌبلُ بذلك!
ثانيا: ان اغتيال المرحوم الشهيد رفيق الحريري نظر اليه كثيرون على انه اغتيال الأمل اللبناني، بل والعربي الايجابي في لبنان، فان كانت الدولة، كما هو مفترض، بعيدة عن هذا العمل، فان المنطق يقول ان المطالبة بلجنة تحقيق دولية، من الأمم المتحدة، هو منطق سليم وعقلاني، حيث تتوفر لمثل هذه اللجنة الحيادية والموضوعية والعلمية, وليس جديدا أو خارجا عن المألوف الاستعانة بالخبرة الدولية في مثل هذه الموضوعات الدقيقة، لأنها تحتاج الى خبرات ليست متوافرة بالضرورة في الوطن، وكلما زاد التأخير والتأجيل، أصبح الوصول الى الأدلة المادية متعسرا.
وفي ضوء الموقع اللبناني، والقيمة الدولية للشهيد رفيق الحريري، وموقعه لبنانيا وعربيا ودوليا، وما رشح حتى الآن من تقرير لجنة تقصى الحقائق، التي تلاحظ انه من المشكوك فيه الوصول الى الحقيقة طالما ظلت القبضة الأمنية كما هي لم تجب عن أسئلة مركزية حتى الآن، ولم يعاقب احد من الأجهزة حتى بالاهمال، وأمام المطالبات الدولية اللحوحة، فقد أصبح من الحكمة وبعد النظر الاستعانة بهكذا لجنة دولية مستقلة، يوكل اليها التحقيق الشامل، لان التحقيق المعمق ومعرفة الجناة وتقديمهم للعدالة، أكانوا أشخاصا طبيعيين أو غير ذلــــك، يردع الآخرين عن العبث في أمـــن البلاد، التي لم تعد مقفلة على أهلها، فهي محطة كوزموبوليتنية للعالم وملتقى الغرب بالشرق، والتســـويف في هذا الأمر يزيد من الشكوك بقدرة الأمن أو الدولة، وتأليب الأقوال ونثر الاشاعات،أما التعجيل في قبول اللجنة الدولية فانه يفرغ الاحتقان، ويجعل الأعمال قريبة الى النيات.
وما قيل من بعض المسؤولين اللبنانيين حتى الآن نقد لتقرير لجنة تقصي الحقائق، فهو بالمناسبة لا يقنع العاقل، وكان أفضل لو لم يقل، لأنه غير واقعي ولا مقنع ويسير باتجاه الخلط والتسويف، ويدلل على غياب العقل.
ثالثا: الاستحقاق الانتخابي الحر والمراقب دوليا، هو المخرج الصحيح لما ارتكب حتى الآن من أخطاء، شارك فيها كثيرون، وهو ما تقود اليه اشارات المرور الدولية، فصناديق الانتخاب هي الفيصل، الذي لا بعده ولا قبله، لوضع لبنان على الطريق الصحيح والصحي، فبخروج ندوة لبنانية منتخبة بشكل حر ومطلق، يصبح في يدها رسم الحلول للمشكلات العالقة، وقتها مهما كانت هذه الحلول لا ترضي البعض، فلن يتعاطف مع هذا البعض احد، لان الشعب اللبناني وبمطلق الحرية، اختار من اختارهم ليسيروا له أعماله السياسية والاقتصادية، يرسموا علاقته بالخارج، وينظموا علاقات القوى في الداخل.
فمفصل الانتخابات الحرة المراقبة دوليا هو مفصل يتوافق عليه الجميع، في الداخل والخارج، وأصبح التهرب منه أو تأجيله أو خلق المحاذير حوله، أو التلكؤ فيه مظهرا لمخبَر الفرار من الاستحقاق الأكبر الذي يتوقعه العالم, وتأجيل الاستحقاق الانتخابي عبر تأجيل تشكيل حكومة، له مخاطر أعمق وأكثر تأثيرا مما تم حتى الآن من أخطاء، وقد يقود الى تأكيد شكوك البعض في تورط الدولة، ولعل المراقب يشهد لأول مرة في تاريخ الشعب اللبناني، الاصطفاف على أســــاس سياسي، وهو غير الاصطفافات السابقـــة التي تمت على أساس طائفي، وله تغيـير نوعي يأخذ لبنان الي ابعد من الخلافات التقليدية السابقة.
فخامة الرئيس، سيأتي كثيرون الى فخامتك ليزينوا هذا الفعل أو ذاك، وقد يكونونا أصحاب مصالح آنية، يزينونها بأفكار وردية وشعارات جذابة، وقد يكون بعضهم صاحب رؤية محدودة، أو ذلك مبلغهم من العلم القليل، الا انك تعلم علم اليقين كيف نظر التاريخ لمن سبقك بسبب مواقفهم الكبرى، فقد نظر الى بشارة الخوري والياس سركيس، على غير ما نظر الى آخرين، تسنموا المسؤولية نفسها فضاقت عليهم، وامتلأ فخارهم بالكرسي على فخارهم بالوطن، غير عابئين بموقعهم على كرسي التاريخ الوطني.
لهذه الأسباب الثلاثة التي يمكن إن عولجت بحكمة أن تجعل من لبنان بلدا حضاريا أو ان أهمل علاجها تخلطه بما هو قائم حوله، من استبداد مقيم، وسيكون الخيار أولا لك، وثانيا لشعب لبنان.












التعليقات