تحليل إخباري- باريس - مكتب «الرياض» - حسان التليلي:

فاجأ الرئيس الأمريكي يوم السادس عشر من شهر مارس الجاري العالم عندما اكد ان بول ولفوفيتز مساعد وزير الدفاع الأمريكي الحالي سيكون مرشح الولايات المتحدة الأمريكية لتولي منصب رئيس البنك الدولي خلفا لـ جيمس ولفنسهن. واذا كانت المنظمات غير الحكومية التي تعنى بقضايا التنمية في البلدان النامية قد تحفظت كلها على ترشيح ولفوفيتز لهذا المنصب فإن كثيرا من دول الاتحاد الأوروبي تحفظت هي الأخرى على القرار الأمريكي. وأجمع كل المعترضين أو المتحفظين عليه على أن المأخذين الأساسيين على نائب وزير الدفاع الأمريكي هما أنه لا علاقة له من حيث تجربته وتكوينه بقضايا التنمية في البلدان النامية وأنه كان احد عرابي الحرب الأمريكية على العراق ومهندسيها.
وبدا من خلال تصريحات المسؤولين الأوروبيين او على الاقل جزء كبير منهم خلال الأيام الاولى التي تلت اعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش ان هنالك امكانية لرفض المقترح الأمريكي بالرغم من ان وزن الولايات المتحدة الأمريكية اهم بكثير من وزن الاتحاد الأوروبي في مجلس ادارة البنك الدولي وبالرغم من ان العادة جرت منذ انشاء هذه المؤسسة وصندوق النقد الدولي على ان يكون رئيس البنك الدولي امريكيا وأن يعين رئيس صندوق النقد الدولي من اوروبا. ومما اعطى انطباعا بأن فرضية استبدال ولفوفيتز بشخصية أمريكية اخرى في منصب رئيس البنك الدولي ردود الفعل الأمريكية نفسها وتلك التي سجلت في بلدان أوروبية موالية للولايات المتحدة الأمريكية. فـ «جيفري ساتش» أستاذ مادة الاقتصاد في جامعة كولومبيا الأمريكية ومستشار أمين عام الأمم المتحدة المكلف بمتابعة قمة الألفية حول التنمية في البلدان النامية قد سئل عن رأيه في قرار بوش ترشيح نائب وزير الدفاع الأمريكي لمنصب رئيس البنك الدولي فقال: «قليلة هي العناصر الموجودة في مسار المرشح وقناعاته والتي تؤهله لادارة مؤسسة تعنى بالتنمية». ويضيف هذا الخبير فيقول: «لقد بحثت عن حجج تؤكد اهتمام ولفوفيتز بالقضايا المتصلة بالموارد المائية وبالصحة والتربية فلم أعثر عليها». وأما صحيفة «الفينانشيال تايمس» البريطانية التي لا يمكن بأي حال من الأحوال وصفها بالصحيفة المقربة من اطروحات التيار المناهض للعولمة الموغلة في الليبرالية فإنها علقت على قرار الرئيس الأمريكي جورج بوش فقالت إنه يتعلق بـ «اختيار بائس» وأن حاله يشبه حال قرار «ادخال ثعلب في مدجنة».


الدبلوماسية والمصالح

ولكن بدا شيئا فشيئا بعد مرور اسبوع على قرار الرئيس الأمريكي ان تصريحات المسؤولين الأوروبيين المعترضة أو المتحفظة على تعيين ولفوفيتز على رأس البنك الدولي إنما كان حالها يشبه حال زوبعة في فنجان لعدة أسباب يمكن حصر أهمها في ثلاثة هي: عجز الاتحاد الأوروبي اليوم عن التصدي لمقترح الرئيس الأمريكي ورغبة كثير من المتحفظين على القرار في ارضاء رغبة بوش لمحاولة ربط الخيوط بين أمريكا والقارة العجوز والتي أضعفتها الخلافات الأمريكية الأوروبية حول الحرب على العراق وكذلك رغبة عدد من البلدان الأوروبية أو على الأقل املها في مقايضة تعيين نائب وزير الدفاع الأمريكي على رأس البنك الدولي بتعيين عدد من الشخصيات الأوروبية في مناصب هامة على رأس منظمات وهيئات دولية. وإذا كانت ألمانيا وفرنسا تعدان اليوم مبدئيا قاطرة الدول الأوروبية المعترضة على تعيين ولفوفيتز رئيسا للبنك الدولي فإن المستشار الألماني غيرهارد شرودر أكد قبل أيام أن ترشح زعيم المحافظين الجدد في الادارة الأمريكية لمنصبه الجديد «لن يفشل بسبب ألمانيا». أما في فرنسا فقد قال ميشيل بارنييه وزير الخارجية يوم أعلن الرئيس الأمريكي عن قراره إن القرار يظل مجرد اقتراح ليس إلا. ولكن الرئاسة الفرنسية اتخذت موقفا مغايرا تماما للموقف الذي أعرب عنه الوزير الفرنسي فأكدت في بيان أن مسألة ترشح ولفوفيتز ستتم دراستها في اطار «روح الصداقة القائمة بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية». وبالرغم من ان الرئاسة اضافت ان النظر في الملف سيتم ايضا بموجب «مهمة البنك الدولي في ما يتعلق بالتنمية» فإن المراقبين والمحللين السياسيين يعتبرون ان فرنسا لن تعترض على ترشيح ولفوفيتز وانها تتمنى في قرارة نفسها ان تقايض ذلك بالحصول على دعم أمريكي لترشح فرنسيين لمنصبين هامين من المناصب العليا في المنظمات والهيئات الدولية. وهذان الفرنسيان هما باسكال لامي المفوض الأوروبي السابق والمرشح لمنصب مدير عام منظمة التجارة العالمية وبرنار كوشنير وزير الصحة السابق والمرشح لادارة مفوضية اللاجئين العليا. وإذا كان الرئيس الأمريكي جورج بوش مقتنعا بأنه ليس ثمة اليوم أي دولة قادرة على الاعتراض على قراره تعيين زعيم المحافظين الجدد على رأس البنك الدولي فإن هذ الأخير بدأ حملة إعلامية قوية لمحاولة تغيير الصورة السيئة عنه في العالم. وفي هذا الشأن قال في حديث خص به صحيفة «لوموند» الفرنسية ونشر في عدد الرابع والعشرين من مارس الجاري انه رجل طيب خلافا لما يعتقد وانه سيبذل قصارى جهده للتصدي الى الفقر في العالم واكد ايضا في نفس الحديث أن القارة الافريقية ستكون في مقدمة اولوياته.