في صراع الشرق الأوسط
منذ بداية هذه السنة ساد نوع من التفاؤل، من جديد، بخصوص إمكانية انفراج وضع صراع الشرق الأوسط. ففي إسرائيل، تم تشكيل حكومة وحدة وطنية بهدف تحقيق انسحاب إسرائيلي من غزة. كما وصل إلى سدة الحكم في السلطة الفلسطينية، رئيس جديد، بعد انتخابات ديمقراطية، بشكل لا مجال للتشكيك فيه. كما أعيدت الاتصالات بين طرفي الصراع واستعيدت أجواء العودة إلى المفاوضات من جديد.
ولكن خبرين جدا مؤخراً ألقيا على هذه الأجواء المشوبة بالتفاؤل الحذر سحباً سوداء من التشاؤم، ففي 23 مارس رفضت إسرائيل مقترح أو بالأحرى مبادرة جامعة الدول العربية، الذي يعرض عليها اعترافاً رسمياً، وسلاماً، في مقابل قيام دولة فلسطينية على الأراضي التي احتلت عام 1967. ومعلوم أن تل أبيب كانت قد رفضت نفس الخطة تقريباً بعيد قمة بيروت العربية 2003. وما لا يمكن فهمه حقاً هو الأسباب التي دعت إسرائيل إلى رفض هذه الخطة مجدداً، على رغم أن أشياء كثيرة تغيرت خلال السنتين الماضيتين، على جانبي الصراع. إذ كيف يمكن لمن يدعي التعلق بالسلام على المدى البعيد، أن يواظب على رفضه والتمنع عنه على أرض الواقع؟ وفي موازاة ذلك، أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن إنشاء 3500 وحدة سكنية جديدة للمستوطنين في الضفة الغربية. هل نحن في حاجة إلى القول إن هذا يخالف بشكل صارخ السعي لإيجاد حل نهائي للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي؟ ثم ألم يكن تنامي حركة الاستيطان بالتزامن مع مسار عملية "أوسلو" أحد أسباب سقوط هذه العملية؟ ثم كيف يمكن تفسير اقتران الحديث عن انسحاب قريب من غزة مع الحديث عن توسيع الاستيطان؟ إن هذا يؤكد على كل حال أن الشكوك والمخاوف التي تحيط بخطة شارون للانسحاب من غزة هي شكوك جدية ولها ما يبررها. فهذه الخطة على الأرجح، لن تكون مدخلاً لحل سلمي شامل بين الفلسطينيين والإسرائيليين أكثر من احتمال أنها، ستصبح مدخلاً لتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية.
لقد أدرك شارون أنه بغض النظر عن قوة إسرائيل، وهيبتها العسكرية، إلا أنه لابد من عمل شيء ما، ليذروه في عيون الأميركيين، وفي عيون بقية العالم أيضاً. فالتعبئة في صفوف الرأي العام الدولي ضده على أشدها، والكل يريد معرفة ما ستؤول إليه حال الفلسطينيين، كما أنه لا شيء يضمن قيام سلام دائم وموثوق به، إذا كانت إسرائيل تتخذ ما يعجبها من خطوات مرحلية بشكل منفرد. ومن هنا يمكننا أن نستنتج من خطة شارون إحدى نتيجتين حقيقيتين، لكن بشرط أن ننظر إليها من زاويتين مختلفتين: فمن وجهة النظر المتفائلة، يمكن اعتبار الانسحاب من غزة خطوة أولى لابد منها للتمهيد لانسحابات أخرى في الضفة الغربية والقدس الشرقية، والسلام في هذه الحالة يتم بناؤه خطوة خطوة. وعلى أمل أن تكون الأمور على هذا النحو، يدعو أنصار هذه النظرة إلى تأييد خطة شارون للانسحاب من غزة دون تحفظ، حتى لو كانت ثمة مخاوف من أن تكون مجرد خطوة جزئية، أو أن تكون سابقة وممهدة لحالة مراوحة في نفس النقطة من الموقف.
ولكن هنالك أيضاً نظرة متشائمة لخطة الانسحاب هذه، ومن سوء الطالع أن ما تم تسجيله مؤخراً من أحداث يدفع في اتجاه تأكيد هذه النظرة المتشائمة جداً مما يحصل. وحسب هذا التحليل فإن خطة الانسحاب من غزة لن تكون سوى عملية خداع بصري لا أكثر ولا أقل. ولن يكون من شأنها تسهيل قيام سلام دائم وإنما ستجعله مستحيلاً تقريباً. إنها ستكون كما قال ذلك –"دوف فاسيغلاس"، مستشار شارون- مجرد وسيلة سريعة لرمي عملية السلام من الأساس، في أقرب سلة مهملات، ومن ثم نسيانها نهائياً، ومرة واحدة وإلى الأبد.
وإذا كانت إسرائيل تبدو الآن مهتمة بسماع الانتقادات الخارجية لسياساتها، فليس ذلك، على الأرجح، لتغيير تلك السياسات، وإنما فقط لتجريب سياسة علاقات عامة جديدة مع المجتمع الدولي. فالإسرائيليون بهذه الاستراتيجية يستطيعون شراء بعض الوقت من جهة، (وذلك بإلقائهم سراباً من المبادرات على أمل أن يتلقفه المجتمع الدولي، والفلسطينيون، وأثناء ذلك يصبح ما يجرونه من تغييرات على الوضع الميداني أمراً قائماً على أرض الواقع، ولا يمكن زجزحته). ومن جهة أخرى يعملون على تدارك أي خلل في ميزان التوازن الديمغرافي، الذي يعتبرونه ضرورياً لموقفهم، ولتعزيز حالة اللاحل واللاحرب ومراوحة الأمور مكانها. وأدق التحليلات في هذا السياق تقول إنه من هنا وحتى 15 سنة، فسيكون اليهود أقلية، في المنطقة التي تضم إسرائيل والأراضي المحتلة معا. وفي هذه الحالة سيكون التخلص من غزة، التي لا تضم سوى 7000 مستوطن إسرائيلي، بين 1.4 مليون فلسطيني، سيكون "ضربة معلم" تجعل تل أبيب تتنفس الصعداء من همها الديمغرافي المقيم. إن هذا الانسحاب سيسبق، ليس سلاماً عادلاً وشاملاً، ولكن إقامة دويلة فلسطينية قزمية في غزة، وربما مع نتف صغيرة من الضفة الغربية، هذا إذا كان حقاً سيثمر عن شيء. وهذا ما يسمح بفهم الدوافع وراء بناء جدار الفصل، الذي يبدو ظاهرياً، نوعاً من "الحاجز الأمني" الأسطوري، ولكنه في الحقيقة ليس سوى تعبير عن الهواجس التي تنتاب الحكومة الإسرائيلية، وطريقة تفكير هذه الحكومة حيال الاستيطان.
إن بعض القادة الإسرائيليين يأملون في الاستفادة من الإعياء والخوف المستبدين ببعض الفلسطينيين الآن، ويقولون إن الفلسطينيين لن يستطيعوا أن يتحملوا إلى الأبد القمع والقسوة المسلطين عليهم واللذين حولا حياتهم اليومية إلى جحيم. ومن هنا سيكون من السهل على محمود عباس "أبومازن" التخلي بشكل كامل عن المطالبة بالعودة إلى حدود 1967، وكذلك بالحق في استعادة القدس. ولكن تصوراً كهذا سيكون مدخلاً للاستغراق في المزيد من الأوهام، المعششة مسبقاً في أذهان بعض المسؤولين الإسرائيليين. وذلك لأن تنازلاً كهذا لن يحظى على الأرجح بموافقة معظم الفلسطينيين، وبذلك سيرتمي الشرق الأوسط في موجة صدمة جديدة وسلسلة مواجهات أخرى، وسيعود التصعيد بشكل لا سابق له.
تكتيكياً، يمكن أن يأمل شارون في كسب بعض الوقت، وتعزيز وضعه لليد على أجزاء من الضفة الغربية والقدس الشرقية. ولكن استراتيجياً، سيكون من الخطأ الجسيم، التعويل على تصور كهذا للحل من جانب واحد لقضية بكل هذا التعقيد، لأنه لن يكون له من نتيجة سوى، ارتماء المنطقة مرة ثانية، في أجواء العنف والمواجهات، في دوامة عبثية لم يظهر حتى الآن ما يوحي بأن ثمة فرصة لتجاوزها.














التعليقات