حين أعلن بعض أعضاء المراتب المتوسطة في حركة «فتح» استقالتهم منها في شكل جماعي أخيراً, أعادوا إلى الأذهان تقليداً شهيراً في العملية السياسية الفلسطينية, هو الاحتجاج بالحرد والاعتكاف مروراً بالتنحي أو الاستقالة وصولاً الى الانشقاق وتشكيل قوة فصائلية قائمة بذاتها. كل القوى الفلسطينية عرفت هذا السيناريو, الأمر الذي أدى إلى ازدحام المشهد بالفصائل التي نسمع ونرى.

قد ينظر الى هذا المشهد كتعبير عن التعددية والحراك السياسيين, وهو مظهر يستحق الإشادة في ظروف المجتمعات الاعتيادية. غير أن وقوعه بين يدي الحال الفلسطينية بخصائصها الاستثنائية المعروفة يوجب الامتعاض أحياناً. فقد يتفهم المرء انشطار الحياة السياسية على خلفية الفوارق الكبيرة, الظاهرة والباطنة, بين أصحاب التوجهات العلمانية والدينية (الإسلامية), وكذا بين أنصار الكفاح المسلح كوسيلة وحيدة للتحرير وبين القائلين بمنهج اللاعنف على طول الخط, أو بين تيار الداعين الى تحرير فلسطين من النهر الى البحر الآن وبالقوة, وبين دعاة التدرج نحو هذا الهدف أو حتى هجرانه تماماً الى حيث الاكتفاء بحل الدولتين عبر أدوات التفاوض. إن مثل هذا الانشطار يستند إلى فروقات برامجية كبيرة قد يصعب التلاقي بينها. وعندئذ يكون التعدد والتنافس الفصائلي مبرراً, كما تكون سلمية هذا التنافس والقدرة على ضبطه بالأدوات السياسية غير الصدامية الدامية, مدعاة للإعجاب.

لكن ما يعز عن الفهم ويثير الحنق هو غياب مثل هذه المعطيات مع حدوث الانشقاق. بمعنى تناسل أو استنساخ الفصل الواحد بلا ضرورة موضوعية ومن دون أسانيد عميقة, ولأسباب سطحية تافهة كان يمكن (أو ينبغي) معالجتها بالوسائل الحوارية والديموقراطية الداخلية.

نود القول إن جانباً من الانتشار الفصائلي الفلسطيني سابقاً وراهناً لا يفسر بمفهوم التعددية ذي المضمون الديموقراطي, وإنما بحال التشظي والانقسام غير الصحية على سيرورة العملية السياسية. ومغزى هذه الحال انعدام قنوات التحاور وإدارة الخلافات الجزئية الطفيفة داخل الفصائل والاحزاب, أي انسداد شرايين الفصيل, بحيث يمسي الانشقاق كحد أقصى أو الاستقالة كحد أدنى, هما مدخلا التسوية الأكثر تداولاً لمواجهة ما يعرض لهذا الفصيل أو ذاك من خلافات غير جوهرية.

كانت «فتح» من الفصائل المؤهلة دوماً لكل دواعي الخلاف, الجذري منها والبسيط, ذلك لكبر حجمها وقِدمها وإئتلاف معظم ألوان الطيف السياسي, القومية واليسارية والإسلامية داخلها, وسيطرتها على موارد كثيرة مثيرة لأطماع البعض. وهي تعرضت بالفعل لأنماط الاحتجاج المتباينة, من الحرد والتلاوم والتراشق السياسي وتبادل القصف الكلامي والاتهامات. غير إنها بقيت طويلاً مقارنة بغيرها من القوى الأقدر على لملمة مشاكلها الداخلية, والمرور بسلام من الانشقاقات الكبرى التي تكسر الظهر وتُفضي الى تخليها عن مقام الصـدارة وصفة الفصل الرئيسي والعمود الفقري للنظام الفلسطيني.

ونحسب أن هذه القدرة عادت في المراحل السابقة الى خصائص بعينها: شخصية زعيم الحركة الراحل ياسر عرفات بكاريزميته وطاقته التوفيقية وإمكان تعليق أخطاء ونقائص الحركة عليه من ناحية, وفقدان الحياة السياسية للبديل التنظيمي الكبير الموازي الذي يسعه استيعاب الخارجين عن «فتح» لأسباب جذرية (وفي طليعتهم أصحاب التوجهات الجهادية الإسلامية الخالصة) من ناحية ثانية, وصعوبة التواصل المادي والسياسي بين كوادر الحركة إبان عهد ما قبل الإلتقاء داخل أراضي الحكم الذاتي والسلطة الفلسطينية من ناحية ثالثة.

والشاهد راهناً أن فتح فقدت هذه الكوابح, وأضحت مكشوفة على إحتمال التصدع حتى لا نقول الانشطار والتشرذم. إذ غاب عرفات وغابت معه إلهاماته وإشعاعاته القيادية الفريدة على أبناء الحركة, الراضين منهم والغاضبين, وبرزت حركة «حماس» بفورانها النضالي وزخمها الشعبي المنافس على كل الصعد, وصار تلاقي المتمردين على تكلس «فتح» سياسياً وقيادياً ونضالياً وديموقراطياً مسألة سهلة المنال, وما عاد مقبولاً ولا يسيراً نسبة هؤلاء الى مداخلات الأطراف الخارجية, النظم العربية المتدافقة بالذات.

هذه المستجدات ونحوها لا تجعل أمام «فتح» طريقاً لصيانة قوامها الذاتي ومكانتها والشفاء من عللها سوى بالاستجابة لنداء الديموقراطية في تضاعيفها, ذلك بإطلاق التدافع الانتخابي على كل المستويات, بين الاجيال والتوجهات والبرامج, في مختلف أقاليم الوجود ومن القاعدة الى القمة وليس العكس, ثم إن الحركة في حاجة مُلحة لنبذ العناصر الضارة بسمعتها شعبياً, التي تسلقت على أكتافها وعششت داخلها في ظروف وتحت محددات تغيرت. وبغير ذلك, سيذهب ريحها لمصلحة بدائل تنظيمية عتيدة.

تراجع «فتح» في الانتخابات البلدية أمام «حماس» ثم قرار هذه الاخيرة بخوض الانتخابات التشريعية, أحدث صدمة لدى الفتحاويين, صدمة أيقظت وجدانهم على واقع حركتهم المترهل من الداخل, متناقص الشعبية في الخارج. ومعنى ذلك أن التعددية الحقيقية حيث وجود منافسين حقيقيين لأي حزب حاكم أو مهيمن تؤدي الى صحوة سياسية ديموقراطية حقيقية, على مستوى الأحزاب من الداخل وعلى مستوى النظام السياسي ككل.

المؤكـد إذاً أن وجـود «حماس» أفــاد «فتح», كـونـه سيـجـبـرها على إصــلاح أحـوالـها, بعد زوال الاطمئـنان القـديم الى إنفـرادها بالمجال السياسي الفلسطيني, ثم أن هذا الوجــود سـيـنـعش هذا المجـال عموماً, لا سيما أن تـقـيـد الفرقاء السياسيين بالتدافـع السلمي الديموقراطي الشريف والاحتكام الى الرأي العام وقواعد القانون والنظام.