أروع ما في اللحظة السياسية الراهنة في مصر أنها سوف تكشف الكثير من المستور عن مواقف القوى والأحزاب المختلفة إزاء السياسات الداخلية والخارجية المصرية بحيث تنتهي الى غير رجعة حالة الاستقطاب الراهنة. فكما هو معروف فإن الساحة السياسية حتى وقت قريب باتت ساحة منقسمة انقساما بسيطا على نفسها.
وعلى جانب توجد الحكومة ومن والاها من قوى اجتماعية وثقافية مختلفة، وعلى الجانب الآخر توجد المعارضة ومن اتبعها من قوى اخرى متنوعة. وبات النقاش والحوار والشجار بين الحكومة والمعارضة بسيطا للغاية، فالحكومة تقول أن كل الأمور على ما يرام ولا داعي لعمليات جراحية كبيرة قد تخلف جراحا دائمة، والمعارضة - على الجانب الآخر - تقول ان مصر لم تمر بمرحلة سيئة كمثل التي نمر بها ولا بد والحالة هذه من قلب الدنيا كلها رأسا على عقب حتى يستقيم الميزان ويعتدل. ولم يكن الخلاف أبدا يقوم على الناظرين الى النصف الفارغ من الكأس والناظرين للنصف الممتليء كما هو معتاد في المجتمعات الأخري؛ ولكنه يدور بين صفات كامنة شريرة واقعة في كل طرف، فالحكومة ديكتاتورية بالطبيعة وعازفة عزوفا كاملا عن «التغيير الحقيقي«، أما المعارضة فهي غوغائية وربما كانت مدفوعة من الخارج. ولكن كل ذلك تغير الآن بعد طلب الرئيس مبارك بتعديل المادة 76 من الدستور لكي تجرى الانتخابات الرئاسية بشكل مباشر من الشعب وفي صيغة تنافسية بين قيادات حزبية ومستقلة. وبغض النظر عن شكل وصيغة التعديل كما سوف يستقر عليها، فإنه صار متخيلا نظريا وعمليا أن قادة الأحزاب الحاليين سوف يكونوا مرشحين لرئاسة الجمهورية خاصة بعد أن أصبحت اللجنة العليا للانتخابات كلها - وليس بعضها - من القضاء والشخصيات المستقلة، وبعد أن أصبح مقررا صدور قانون للانتخابات الرئاسية يكفل المنافسة المتكافئة. وقد لفت نظري أن صحيفة «نهضة مصر« أخذت الموضوع جدا كما يجب وبدأت بالفعل تنظر في الشكل الذي سوف تكون عليه الجمهورية في حالة قيادات الأحزاب المختلفة.

وقد عكس ذلك من جانب النظر في درجة استعداد حزب ما للحكم، وبرنامجه الذي سوف ينفذه فور تقلده السلطة، وهو ما حدث حتى وقت كتابة المقال في ثلاث جمهوريات لـ«رفعت السعيد« رئيس حزب التجمع، و«نعمان جمعة« رئيس حزب الوفد، و«ضياء الدين داود« رئيس الحزب العربي الديمقراطي الناصري. هذا الاتجاه ينبغي تدعيمه من جميع وسائل الإعلام المصرية، بل وفتح أبواب التلفزيون والإذاعة المصرية لمناقشة جميع القضايا المطروحة، فلا يكفي مثلا أن نعرف الآراء والبرامج ولكن الأهم كيف سوف يتم تنفيذها؟ والأخطر كيف سيتم تمويلها؟. وفي مثل هذا المقام حيث الشيطان يكمن دوما في التفاصيل، فإن الإجابات العامة مثل أن تمويل كل ما هو مطروح سوف يتم عن طريق مقاومة الفساد مثلا لا تفيد إطلاقا ما لم نعرف الحجم المالي للفساد المراد محاربته والبحث فيه عن التمويل المناسب، وما لم نعرف كيف ستكون الحرب، وهل هي من خلال القضاء العادي أم من خلال قضاء استثنائي أم من خلال الأحكام العرفية والمصادرة والتأميم حسب ما ترى السلطات العامة.
فإذا كان هناك وقت للتفاصيل فهذا وقتها، وعلى سبيل المثال فإن ضياء الدين داود طرح طرحا شجاعا عندما أكد على ضرورة العودة الى الاشتراكية التي كان معمولا بها في الخمسينيات والستينيات لأنها تمثل حلا لجميع المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها مصر. ففي وقت أعلنت فيه البشرية كلها إفلاس النموذج الاشتراكي بمعني ملكية الدولة لوسائل الإنتاج وتشغيلها، وتخلصت منه ومن آثاره الاقتصادية دول مثل الصين والهند، فإن المناداة به في مصر مرة اخرى تصبح ملفتة للنظر بحثا عن الجديد الذي سوف يجعل الاشتراكية أكثر فاعلية مما جرى عليه الحال في بقية العالم. ويصبح هذا الطرح شجاعا تماما عندما نعود الى النظام الذي ساد في مصر من قبل بالاعتماد على البيروقراطية في تطبيق النموذج بعد أن تم نقده من هذا المنطلق من قبل اشتراكيين مصريين في السابق، فما قاله لنا رئيس الحزب الناصري أنه سوف يحل أزمة البطالة بالاعتماد على تدخل حكومي عاجل لتوظيف الشباب مع رفع الدولة لاستثماراتها في بناء المصانع، يعكس مذهبا يقوم على تطبيق الاشتراكية من خلال التدخل الحكومي والبيروقراطي المستمر. ولكن المعضلة هنا أن في مصر بالفعل قرابة 7 ملايين ممن يأخذون رواتبهم من الحكومة أي حوالي ثلث القوة العاملة المصرية، فهل يمكن زيادتها أكثر من ذلك وإلى أي حد، فلو قام الحزب الناصري فورا بتعيين مليون أو مليونين لحل أزمة الباحثين عن عمل لواجهنا حالة مزمنة من مشكلة الباحثين عن عمل المقنعة حيث أن حجم الاستثمارات التي يحتاجها استيعاب الموظفين الحاليين الواقعين في مشكلة الباحثين عن عمل المقنعة مع الموظفين الجدد الذين يعانون من قضية الباحثين عن عمل السافرة.

وهنا - للأسف - لن نجد إشارة واحدة الى مصادر التمويل لهذه الاستثمارات، فمعدل الادخار منخفض وسوف ينخفض أكثر لأن الموظفين الجدد لن يكون مع مرتباتهم المتواضعة من هو على استعداد للتوفير. ولا نظن أن البنك الدولي سوف يكون على استعداد لتمويل مشروعات صناعية في دولة «اشتراكية« بعد خمس سنوات من نهاية القرن العشرين. وبالطبع فإن المعونات الأمريكية والغربية سوف تتوقف، وهي ليست مهمة على أية حال، ولكن الأهم منها أن الاستثمار الأجنبي المباشر سوف يتردد كثيرا في القدوم الى بلد ليس اشتراكيا فقط بل أنه سوف يكون على وشك الدخول في حالة من التوترات الإقليمية والدولية. فموقف ضياء الدين داود من الولايات المتحدة ومشاريعها سوف يعيدنا الى نمط علاقات العداء التي كانت سائدة في الستينات خاصة بعد الرفض النهائي للاعتراف بالكيان الصهيوني وهو ما يعني ليس فقط رفض التطبيع وإلغاء اتفاقية الكويز، بل إنهاء معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية. هذه الحالة من السياسة الخارجية مهما كانت جدارتها سوف تعني فورا زيادة ميزانية الدفاع المصرية ورفعها لثلاثة أمثال ما هي عليه الآن على الأقل حتى تعادل نسبة 12% التي تنفقها إسرائيل من ناتجها القومي الإجمالي. فإذا كانت الأمور سوف تعود الى ما كان عليه الحال قبل عام 1967، فإنه من المؤكد أن داود ومستشاريه في الحزب سوف يبذلون قصارى جهودهم حتى لا يتكرر ما جرى في شهر يونيو من ذلك العام مرة أخرى. ولكن ربما لا تصل الأحوال لهذه الدرجة لأن ضياء الدين داود وعد بأن تقام دولة ديمقراطية كاملة الأركان لا تعرف شيئا عن تحالف الشعب العامل، ولا إعطاء الحرية للشعب وحجب الحرية عن أعداء الشعب وتأميم الصحافة مع مصادر الإنتاج. وبالتالي فإن رئيس الحزب الناصري سوف يقدم تجربة جديدة لم يعرفها التاريخ بعد حيث توجد دولة تمتلك كل وسائل الإنتاج والتوزيع والعمل، ولكنها في نفس الوقت جمهورية برلمانية يتم فيها تبادل السلطة دون خوف أو وجل من الجماهير، أو مسيرات تسد عين الشمس تهتف للزعيم الذي امتلك ناصية الحكمة وبعد النظر. هذا ولا شك فتح جديد في العالم الناصري لمزج الاشتراكية والديمقراطية معا!!.