يصعب على المجتمعات الديموقراطية في العادة، أن تتخذ إجراءات قاسية بحق المتطرّفين، لتعوّدها على فكرة الحرية والتسامح. فكل الديموقراطيين يرغبون في إظهار الاحترام لعقائد الشعوب الأخرى، وهو الاحترام الذي قد ينقلب ندماً وإنكاراً: فلا أحد يريد أن يتكلم عن أولئك الذين تشكل عقائدهم خطراً على الديموقراطية نفسها. ونستطيع أن نرى معنى ذلك بوضوح من خلال ما حدث في هولندا. فثقافة الديموقراطية في ذاك البلد دفعت الأمة إلى تجاهل صعود التطرّف الاسلامي، إلى أن اندلع العنف الذي يستتبعه ذاك التشدد. وهذا صحيح أيضاً بالنسبة للولايات المتحدة، حيث ينتمي المتطرفون الخطيرون إلى الأكثرية الدينية أو الاثنية، ويمتلكون نفوذاً كبيراً نتيجة ذلك. فقبل أن يطلع على نتائج التصويت، صرَّح توم ديلاي: "هناك شيء فريد حبانا الله به، إنها تيري شيافو، من أجل إعانتنا على مشاهدة ما هو جار في أميركا". أما الآن، فقد صدم هو والحزب الجمهوري نتيجة ردة الفعل السلبية التي أظهرها المواطنون على تلاعبهم بقضية السيدة شيافو، المصابة بتلف في الدماغ أفقدها الوعي منذ خمسة عشر عاماً. لقد أمرت المحكمة بإيقاف التغذية من طريق الحقن. وهم يريدون العودة إلى هذا الابتزاز. ويكون على الشعب الأميركي أن يمنعهم. وهكذا فحالة شيافو هي فعلاً فرصة للتعرّف على ما يجري في الولايات المتحدة.
أول الأمور المثيرة للقلق ذلك الخوف الذي يحس به أولئك الذين يريدون تطبيق القوانين التي يعارضها المتدينون المتطرفون. راندال تيري، أحد المتحدثين باسم أهل شيافو، والمعارضين لإزالة التغذية عن شيافو، ما قتل أحداً. لكن أحد مساعديه المقرَّبين السابقين، الناشطين في حركة معاداة الاجهاض؛ قتل طبيباً، وهو يقضي عقوبة طويلة بالسجن من أجل ذلك. أما جورج غرير، القاضي في قضية شيافو فيحتاج لحراس مسلحين من أجل حمايته.
والأمر الآخر الذي يستحق أن نتنبه إليه، إقبال كثيرين من العارفين على تجاهل روح القوانين أو نصوصها أحياناً، من أجل التقرّب من اليمين الديني. ويعرف كل واحد في أميركا الآن المحاولات التي جرت لمحاصرة القضاء والتضييق عليه بـ"قانون تيري". لكن هناك واقعة ذكرتها صحيفة "ميامي هيرالد" وهي أن جب بوش، شقيق الرئيس، أرسل رجال الشرطة لأخذ تيري شيافو من المستشفى ـ ثم أعرض عن ذلك عندما أصرت الشرطة على إنفاذ حكم المحكمة ببقاء المرأة في المستشفى. ويوشك المستقبل أن يجلب لنا أمثلة أخرى من تخويفات المتدينين باسم الله، وتدخلات سياسية/ دينية، تقوّض سلطة القانون.
ولقد صار لليمين الديني نفوذ كبير في المجال التربوي: 31% من المعلمين قالوا في استطلاع جرى لحساب نقابة المعلمين الوطنية إنهم يشعرون أنهم واقعون تحت ضغوط لعرض مواد دينية في البرنامج على طلابهم. وتظل العناية الطبية هي المجال الرئيسي للتأثير الديني. ففي تقرير للواشنطن بوست أن عدداً متزايداً من الصيادلة، يرفضون إعطاء حبوب منع الحمل الموصوفة من الأطباء، وآخرين يرفضون إعطاء الحبوب لما بعد العملية الجنسية. ويقول هؤلاء إنهم يفعلون ذلك انطلاقاً من ضميرهم الديني، بينما هم بفعلهم هذا يقوّضون القوانين التي تسمح باستخدام هذه الأدوية. ودعوني أصرّح بهذا التوقع: خلال فترة قصيرة، وحيثما يسيطر اليمين الديني، سيرغم الصيادلة على عدم إعطاء النساء حبوب منع الحمل المباحة لهنّ. ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فهناك ميل على المستوى الوطني من أجل قانون الضمير أو "حق الرفض". وفي اللينوي والميسيسيبي تسمح القوانين للأطباء والمسعفين بأن يمتنعوا عن مساعدة المريض الذي يشاءون. ولنفكر مرة ثانية كم تسهم هذه التشريعات في إخافة الأطباء وإخضاعهم.
لا يستطيع الأميركيون الاعتماد على أناس مثل توم ديلاي للعناية بالقوانين أو تنفيذها. لا يمكن الاعتماد على ديلاي الذي يعتقد أنه يملك مهمة إلهية هي جلب الرؤية الانجيلية للأميركيين والسياسة الأميركية، وأن الرب أرسل إليه هذا المريض المصاب في دماغه، ليساعده في هذه الرسالة. وما يحتاج إليه الأميركيون وهم لا يهتمون الآن ـ السياسيين المعتدلين الذين يقفون وقفة حازمة ضد المتعصبين الدينيين. وهناك أناس عقلاء يسألون الآن: أين هم الديموقراطيون؟ والسؤال الأفضل في اعتقادي: أين هم الأطباء الذين يغارون ويدافعون عن هذه المهنة الشريفة والانسانية؟ أحسب أن نقابة الأطباء الوطنية اعترضت على التشخيص على أساس الصور التلفزيونية؛ وهو أمرّ وافق عليه السياسيون. لكن بيان الجمعية في قضية شيافو هو من التردد والحذر بحيث لا يمكن فهم الرأي الذي أرادوا التوصل إليه. والمثال الأقرب الذي يمكنني التفكير فيه هنا، ومقارنته بالحالات التي نتحدث عنها هو المثال الاسرائيلي: منذ وقت ليس بالطويل ما كان الاسرائيليون الليبراليون يرون أي خطر في التطرف الديني. أما الآن فما عاد بوسعهم زعم ذلك. فقد قتل المتطرفون رئيساً للوزراء هو اسحاق رابين وهم يهددون الآن شارون بذلك. وما وصل الوضع بأميركا إلى هذه الحدود. إذ لا يمكن القول ان ليبرالياً معنياً أو محافظاً معنياً مهدد بالاغتيال. لكن إذا لم يتخذ المعتدلون والأمناء للقوانين موقفاً قوياً من اليمين الديني المتطرف؛ فإن القتل يمكن أن يحدث في الولايات المتحدة أيضاً.
*نيويورك تايمز













التعليقات