عرف البابا يوحنا بولس الثاني بأنه كان من اوائل الذين ساهموا في دك اساسات النظام الشيوعي في اوروبا. فهو البولوني الذي تمكن من موقعه وتأثيره الروحي في سدة البابوية، من زعزعة نظام ياروزلسكي فانهارت اللبنة الاولى لهذه الانظمة في اوروبا الشرقية ومن ثم في الاتحاد السوفياتي السابق. وارتفعت راية نقابة "تضامن" وطوي العلم الاحمر، لتبدأ هذه المنطقة مرحلة جديدة كرسها انهيار جدار برلين.
وتزامنت الاعوام الاولى لتسنم يوحنا بولس الثاني سدة البابوية، مع تألق نجم رونالد ريغان في الولايات المتحدة ومارغريت تاتشر في بريطانيا، فتمكن هذا التحالف الموضوعي بين القوة الروحية للبابا والقوة المادية للرأسمالية الغربية، من خلخلة النظام الشيوعي الذي هيمن على اوروبا الشرقية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وليس ادل على ضيق الانظمة الشيوعية من البابا، سوى محاولة الاغتيال التي تعرض لها عام 1981 على يد التركي علي اقجا الذي قيل ان المخابرات البلغارية عامذاك ربما كانت تقف وراء المحاولة بإيعاز من الـ"كي جي بي" في موسكو.
على انه بعد انهيار الشيوعية، بدأ التمايز بين البابا والغرب وتحديدا الولايات المتحدة التي سعت الى فرض سياسة القطب الواحد على العالم وجني مكاسب انتصارها في الحرب الباردة. لكن الفاتيكان، بما يمثله من تأثير روحي على مئات ملايين الكاثوليك في العالم التزم الدعوة الى الاعتدال، وطي صفحة الحروب. وظهر التمايز قويا بين نهجي الفاتيكان واميركا في الحرب على العراق عام 2003 عندما وقف يوحنا بولس الثاني بكل قواه ضد هذه الحرب التي يعتبرها بوش ومحافظوه الجدد بداية نشر الحرية في العالم الاستبدادي، بينما اعتبرها يوحنا بولس الثاني مدخلا الى صراع الثقافات ومن ثم الاديان الذي يشكل نقيضا لدعوته الى الحوار بين الاديان توصلا الى افضل السبل للعيش بسلام في ما بينها. واكتسبت دعوة البابا الى الحوار بين الاديان، ولاسيما بعد هجمات 11 ايلول 2001 على نيويورك وواشنطن، اهمية بالغة لان هذه الهجمات اتخذها بعض المنظرين حجة لتبرير حتمية صراع الحضارات.
لقد نزل عشرات الملايين الى الشوارع في كل اوروبا رفضا للحرب الاميركية على العراق. وكانت التظاهرات الاكثر حشدا في الدول ذات الغالبية الكاثوليكية التي استلهم اهلها اعتراض البابا على هذه الحرب. وعلى نقيض منطق الدعوة الى الحوار واستخدام الامم المتحدة وسيلة للحل في العراق، كان المحافظون الجدد في الولايات المتحدة يهاجمون الامم المتحدة ويقولون انه اذا لم تسارع اميركا الى الحرب الآن فانها لن تكون في مأمن من التعرض لهجمات على غرار هجمات 11 ايلول، وربما ادهى، لان العراق سيزود عناصر "القاعدة" اسلحة للدمار الشامل كي يستخدموها ضد اهداف اميركية.
وبعد عامين تماما تبين، باعتراف لجنة شكلها بوش نفسه، ان كل تقارير الاستخبارات الاميركية عن امتلاك العراق اسلحة للدمار الشامل كانت "مخطئة تماما"، فلا بأس اذن من استبدال مبرر الحرب، من البحث عن اسلحة الدمار الشامل الى البحث عن الديموقراطية. اما عن الاذى الذي سببته وتسببه هذه الحرب، فليس هذا ما يُسأل عنه المحافظون الجدد في اميركا.
لقد اراد يوحنا بولس الثاني ان يقول للرئيس جورج بوش انه كما كان ضد الشيوعية عقيدة في الحياة، فانه ايضا ضد ايديولوجيا متشددة من نوع آخر يمثلها المحافظون الجدد بكل القوة المادية التي يملكونها.














التعليقات