أثارت تظاهرة الإخوان المسلمين المصريين أمام البرلمان وجامع الفتح مطلع الأسبوع الماضي اهتمام المراقبين في الخارج العربي والأجنبي. وكان موضوع التظاهرة المطالبة بإلغاء أحكام قانون الطوارئ، وإطلاق الحريات السياسية، على مشارف انتخابات الرئاسة المصرية في سبتمبر من العام الحالي. والذي أثار الاستغراب والترقُّب في الوقت نفسه أنَّ الإخوان تظاهروا بمفردهم، وأنهم رفعوا مطلباً سياسياً بحتاً تتفق عليه أحزابُ المعارضة، وهيئات المجتمع المدني ومؤسساته: إلغاء أحكام الطوارئ، والانزعاج من إمكان أو ترجيح انتخاب الرئيس المصري لولايةٍ سادسة. وكان المرشد العامّ للإخوان المسلمين قد طالب قبل أسبوعين في مقابلةٍ تلفزيونية ومؤتمرٍ صحفي بالأمور نفسها مع إضافة قضايا أخرى مثل المسجونين السياسيين، والإجازة للإخوان بإنشاء حزب سياسي.. وفي مقابل ذلك كلّه قال إنّ الإخوان مستعدون للتفكير بالموافقة على إعادة انتخاب الرئيس حسني مبارك لولايةٍ أُخرى مدتها ست سنوات! الطريف الجديد في القصة أنه لا أحزاب المعارضة، ولا السلطة تعترف حقاً بالوجود السياسي للإخوان المسلمين، رغم أنّ المعارضين والحاكمين يعرفون أنهم "أكبر الجماعات السياسية" بمصر. وقد سبق لهم لكي يستطيعوا خوض الانتخابات البرلمانية- باعتبارهم جماعةً محظورة- أن تحالفوا مع حزب الوفد، ثم مع حزب العمل، وترشحوا تحت يافطتيهما. وفي الانتخابات البرلمانية الأخيرة ترشَّح أفرادٌ منهم في دوائر فردية، وعندما نجحوا أعلنوا عن هويتهم، وشكّلوا جبهةً إسلاميةً داخل البرلمان المصري، لا تعترف بها الحكومة ولا البرلمان طبعاً!

ولندع حديث طرائف الحياة السياسية العربية مؤقتاً، ولننظر في هذا التطور بجدية. أذكر أنه في اللقاء القومي/ الإسلامي بالقاهرة عام 1989، حضر من جانب الإخوان بعد لأي كلٌّ من الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، والدكتور عصام العريان. وما أمكن التلاقي بين القوميين والإسلاميين وقتها إلاّ على القضايا المتعلّقة بفلسطين، وبالوجود والنفوذ الأجنبي في الوطن العربي. وفي حين كان القوميون (غير الديمقراطيين) مهتمين بالديمقراطية ظاهراً؛ كان الإخوان مهتمين بتطبيق الشريعة، وخائفين من أنه في الديمقراطيات الأكثرية قد يحسم الشعبُ أمره لغير صالح الشريعة؛ وبذلك يتهددُ دينُ الله بتهدُّد مرجعيته العليا صاحبة السلطة، وليس الشعب كما في الديمقراطيات الغربية.

وأذكر أنّ راشد الغنوشي، الإسلامي التونسي المعروف، حاول إقناعهم بعدم التناقُض بين السلطة الشعبية والسلطة الإسلامية؛ لكنّ أبو الفتوح ما استساغ ذلك؛ في حين بدا العريان أكثر فهماً لمقتضيات الموقف والظروف. فالإسلاميون هم الذين يستفيدون أكثر ما يكون من انتخاباتٍ حرةٍ وديمقراطية. على أنّ الإخوان المصريين الذين نبذوا العنف منذ مطلع السبعينيات؛ دخلوا وقتها كما دخل غيرهم في إغراءات الشمولية الشعبية: حركة الترابي والبشير في السودان، واكتساح جبهة الإنقاذ للانتخابات البلدية ثم النيابية بالجزائر، وسيطرة الإخوان الأردنيين على نصف البرلمان هناك. كان الإخوان يريدون وحسب: السماح لهم بإنشاء حزب سياسي، والانتخابات كفيلةٌ بإعطائهم نصيباً محترماً بمجلس الشعب، كما حصّلوا في النقابات، ولا داعي لنقاشاتٍ نظريةٍ قد تُخلخلُ مواقعهم لدى العامة؛ باعتبارهم حُماة الهوية الإسلامية لمصر؛ بما في ذلك تطبيق الشريعة!

وما مرَّت التسعينيات على خيرٍ لا بالنسبة للإخوان المسلمين، ولا بالنسبة لحركات الإسلام السياسي المتشددة. فالنظام الإسلامي الإيراني وقفت ضدّه كثرةٌ شبابيةٌ معارضةٌ باسم الإسلام. والنظام الإسلامي السوداني قاد السودان لتفكُّكٍ ما يزالُ مستمراً حتى اليوم. والنجاح الإسلامي في الانتخابات الجزائرية، قاد لحروبٍ أهليةٍ ما خمدت جذوتها حتى اليوم. وجاءت ثالثةُ الأثافي من أفغانستان: بعد فشل "المجاهدين" في إقامة حكومة موحَّدة إثر سقوط كابل في أيديهم؛ صعَّد الباكستانيون( على طريقة القذافي) والأميركيون وبعض العرب حركة طالبان، التي غطّت بأفاعيلها على كلّ نظامٍ إسلاميٍ سابقٍ أو لاحق(!)- وفي حضن طالبان تعملق ابن لادن، حتى كان ما كان في 11 سبتمبر 2001.

وفي التسعينيات بالذات عانى الإخوان المسلمون المصريون من صراعاتٍ داخليةٍ بين المحافظين والإصلاحيين والليبراليين. وقد خرج منهم الليبراليون وحاولوا إنشاء حزب الوسط، دون أن ينجحوا في ذلك؛ باعتبارهم "إخواناً" مستترين في نظر الحكومة(!). وظلَّ الإصلاحيون في التنظيم؛ لكنهم نجحوا في إخراج وثيقةٍ سياسيةٍ جيدة عام 1994، قالت بالدستور وبالحريات؛ إلى جانب التضامن الوطني (بين المسلمين والأقباط)، وإسلامية التشريع والنظام! لكنْ ما كانت لتلك الوثيقة مفاعيل مهمة؛ لأنَّ الأحزاب السياسية المصرية ما استجابت لها، والحكومة لم تأبه بل زادت من ممارسات التوقيف والاعتقال. ثم لأنّ المحافظين كانوا ما يزالون مسيطرين في الهيئات القيادية، التي لا تحدُثُ فيها انتخاباتٌ منتظمة، ويستطيع المرشد العامّ أن يحسم فيها برأيه.

وجاءت انتخابات النقابات، والانتخابات النيابية في العامين الأخيرين؛ لتُثبت أمرين: أنّ الإخوان ما تزال لهم شعبية، وأنهم نجحوا على رغم الضغوط في الاحتفاظ بتماسُكِهم. وما توارى الجيل القديمُ كلياً؛ فالمرشد العامّ الحالي منه. لكنّ السيد عاكف يملك تجربةً بالخارج، ويميل للمبادرات، ويعرف أهمية وسائل الإعلام. ولذلك جاءت وثيقة العام 2004 أفضل بما لا يُقاس من الوثيقة السابقة. وهذه المرة بدأت بعدها مباشرةً التحركات حول الدستور وانتخابات الرئاسة، في اجتماعاتٍ مع بعض أحزاب المعارضة، وأحاديث في النقابات... وصولاً إلى تظاهرات الأسبوع التي نبّهت البورجوازية المصرية وسياسييها المحترفين، ورجال أعمالها، وموظفي السفارات إلى وجود قوةٍ إسلاميةٍ (معتدلةٍ) بمصر.

ولا مشكلة للإخوان المسلمين المصريين مع الجمهور؛ سواءٌ أقالوا بالديمقراطية نظرياً أم لم يقولوا. بل مشكلتهم مع النظام السياسي، ومع النُخَب السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحديثة. النظام المصري يخشى قوتهم الشعبية، والنُخَبُ البورجوازية القائلة بالليبرالية الاقتصادية لا تتقبل حماسهم ضد الربا ومع البنوك الإسلامية، وجماعات المجتمع المدني تملكُ شكوكاً في ديمقراطيتهم. وهذه الفئات الثلاث تحتاج من جانب الإخوان للنظر والمراجعة. صحيح أنّ جزءًا من رفضهم للإخوان يعود للتنافس، والحسد على الجماهيرية الشعبية. لكنْ هناك جزءٌا آخر أيضاً يتصل فعلاً بالمفاهيم الديمقراطية، وبالندية في العمل السياسي، وبالانفتاح على العالم والعصر. فما تزال أكثرية المفكرين الإسلاميين المعتدلين، ترى المرجعية للشريعة وليس للجماعة؛ كما يقول أهل السنة القُدامى. وما تزال مسألةُ البيعة سارية المفعول؛ وهي تعني السمع والطاعة إلاّ في المعصية- وهذا شأنٌ دينيٌّ، فأين الشأن السياسي من ذلك كله؟! وما يزال الحديث عن الطابع الإسلامي للدولة (الشريعة وتطبيقاتها) يثير المخاوف ليس لدى الأقباط فقط؛ بل ولدى كثيرٍ من المسلمين أيضاً. فالشريعة هنا صارت قانوناً، كما صار ذاك القانون اعتقاداً، أي هو بمثابة الدين، أو اختزالٌ له في النظام السياسي، وإخراجٌ لفئاتٍ هائلةٍ من المواطنين من دائرة المشاركة بحجة عدم إسلاميتهم أو أي شيء آخَر، غير المواطنية، وغير الحريات. وما نقوله هنا ليس ادعاءً أو تفسيرات لا مسوِّغَ لها. فقد علَّلوا تظاهرهم بمفردهم أنه تعبيرٌ عن رأيٍ خاصٍ في الدستور. إذ هم يطالبون بإلغاء الطوارئ؛ لكنهم لا يريدون تعديل الدستور بحيث لا تتغير المادة التي تجعلُ الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً للتشريع. هم يقولون إنهم حصلوا عليها أيام الرئيس السادات، ولا يريدون خسارتها لأي سبب!

ما تزال الحركات الإسلامية المتخلية عن الأصولية في مصر وسوريا والأردنُ واليمن والمغرب والجزائر، ذات شعبيةٍ بارزة. بيد أنّ موضوع الهوية ما يزال أساسياً بالنسبة لها. وهو يعني شكوكاً عميقةً بالناس، وضآلة تصديقٍ بوعيهم، وأنهم هم حراس الإسلام، وحُماة شريعة الله. وما لم يتجاوز الإسلاميون هذا الأمر؛ فإنّ مشكلاتهم لن تقتصر على التوتُّر مع الأنظمة. عندنا اليوم الأميركيون ورؤيتهم لكيفية استحداث الديمقراطية. ولدينا الأنظمة الحاكمة وهي تستخدم الديمقراطية حجةً للاستبعاد وليس للاستيعاب. وما يزالُ قسمٌ كبيرٌ من الجمهور مع الإسلاميين الذين لا يريدون العنف، لكنهم لا يأتمنون الجمهور أيضاً على الهوية وعلى الدين، واللحظة الآن حاسمةٌ وسط التحولات الكبرى، إذ هم ما يزالون أكبر جهات المعارضة للأنظمة القائمة. ويتطلب ذلك من جانبهم ثقةً أكبر بالناس، ومغادرةً أسرع لهواجس الهوية.