الأسابيع التي تفصل لبنان عن الانسحاب السوري «الكامل والشامل» هي اسابيع كل المخاطر، خصوصاً ان الموالين لسورية في لبنان كشفوا وجوههم ومواقفهم فأفسدوا اللعبة، ومضوا في ترسيخ مناخ الخوف والحذر، متقدمين أكثر فأكثر نحو إطالة حال الحرب الاهلية السياسية.

سورية أبلغت الأمم المتحدة امس ان انسحابها «الكامل والشامل» من لبنان ينتهي في 30 نيسان (ابريل) الجاري. ولن يكون صعباً التحقق من صدقية هذا الانسحاب، لكن قد تكون هناك حاجة الى رقابة لاحقة للتأكد من «استمرار» حال الانسحاب، وللتثبت من ان جزءاً من الوجود العسكري السوري لم يندمج فعلاً الى حد الذوبان في الجسم الأمني اللبناني. سيكون من الصعب جداً كشف هذا الاندماج، والأصعب كيفية التعامل معه، فالقرار 1559 لا يملك أي آليات لهذه الغاية، واتفاق الطائف لا يفترض حصوله. وفي أي حال، هذا ليس تخيلات، بل هناك مؤشرات اليه، فسورية تحتاج الى وجود في النظام الأمني (كما هي موجودة في النظام السياسي) لتستطيع تعطيل كل ما لا يناسبها في دولة ما بعد الانسحاب، أو للتدخل في الانتخابات أو لأي غرض آخر.

اقتراب الانسحاب «الكامل والشامل» يتزامن مع ازدياد الاستقطاب حدة وبشاعة في لبنان، مع انعدام اي طرف حَكَم، ومع تعذر بروز «تيار ثالث». أصبح الأفق مفتوحاً على معركة اخضاع للمعارضة، لكن اخضاعها لماذا ولمن؟ هذا ما لا يستطيع معسكر الموالاة الإجابة عنه، فليس اعضاء هذا المعسكر هم من يقررون، والأرجح انهم لا يعرفون إلا ما يُوحى به اليهم، وبالنسبة اليهم لم يتغير مصدر السياسات والأوامر: دمشق. الموالاة تجذب البلد الى خيار بات خاسراً، بل يراكم الخسائر والتراجعات، والموالون لا يزالون يتصرفون على أنهم ممثلو حكم الاجهزة، أي متسلحون بما تستطيعه هذه الاجهزة من تفجيرات وتخويف وترهيب. ثم ماذا بعد التخويف والترهيب؟ لا شيء سوى ان تبقى الاجهزة وحكمها فتدوم الحال للمتمتعين بسوءاتها ولمستمدي «شرعيتهم» من مفاسدها.

ها قد تم تخصيب عمر كرامي مجدداً، ولعله بات يعرف ان المطلوب منه منذ الآن ان يدير الأزمة أو تركها تدار بواسطته ومن وراء ظهره. الحجة التي انتصرت في معسكر الموالاة يوم الجمعة الماضي بسيطة: طالما ان كرامي يتمتع بغالبية في مجلس النواب فليشكل حكومة، أي حكومة، وليحصل على «الثقة» أي ثقة. لكن هذه الغالبية كانت متوفرة لكرامي يوم قدم استقالته امام المجلس، علماً أنه بنى استقالته على أسباب لا تزال قائمة. غير ان عودة كرامي ارفقت هذه المرة بما يشبه الاعلان بأن رئيس المجلس النيابي نبيه بري اصبح رئيس الجناح السياسي للموالاة، اي انه اصبح طرفاً كامل الأوصاف ضد المعارضة كما كان قبل اتفاق الطائف. في المقابل اطلق الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله اشارة تشي بدوره المقبل كزعيم للجناح العسكري للموالاة عائداً بـ«حزب الله» الى المربع الميليشياوي.

وهكذا، انبرى بري ليقدم خيار «المحافظة كدائرة انتخابية» من باب النكاية بالمعارضة، مدعياً انه للمحافظة على لبنان، لكنه عملياً للمحافظة على فلول الموالين. ادعى ان اتفاق الطائف هو الذي لحظ اعتماد «المحافظة»، متجاهلاً لزوم اللحظة ان الطائف اشترط ايضاً اعادة تقسيم المحافظات. الأكيد ان الموالين طرحوا خيار المحافظة للتعجيز، لأن خيارهم الأول غير المكتوم هو نسف الانتخابات والتمديد للمجلس الحالي فترة كافية لاختبار المعطيات التي ستطرأ بعد انسحاب القوات السورية واهتزاز صورة الاجهزة حكماً وسطوة. لكن هذا يدخل في باب العتب والتخريب اكثر مما ينم عن سعي الى حلحلة الأزمة، خصوصاً ان الموالين يداعبون أوهام ان شيئاً لن يتغير بخروج السوريين، بل ان هؤلاء سيبقون محركين اساسيين لخيوط اللعبة الأمنية - السياسية.