وفر اخصائيو استيلاد الحروب الاهلية بالانابيب الطائفية كل الاسباب الكافية لاندلاع حرب تأتي على ما تبقى من الاخضر في لبنان‚ واذا كان اللبنانيون قد تلقحوا ضد تكرار تلك التراجيديا التي لم يسلم منها حتى من ساهموا في تأليفها واخراجها‚ فالفضل لا يعود الى منتجي الحروب الاهلية ومسوقي المفاهيم الملغومة‚ بل لذاكرة هذا الشعب التي استوطنت فيها فوبيا الحرب التي دامت ربع قرن وفاضت بظلالها وتمددت لتجاوز عدد سنواتها‚

بعد مصرع رفيق الحريري‚ وقبل ان يكتمل اربعينه شهدت بيروت ثلاثة انفجارات متلاحقة‚ وهي في مجملها حزمة من الرسائل مجهولة المرسل‚ لكنها معلومة المرسل اليه‚‚ فمن هو هذا المرسل اليه؟ هل هو طرف طائفي أم الناس جميعهم وقد قرروا ان يحولوا الضارة الوطنية الى نافعة‚ مثلما قرروا من قبل وعشية انتهاء الحرب المدمرة اسباب الموت الى اسباب حياة والعوائق الى رافعات؟

الانفجار الثالث بعد مصرع الحريري كان واضح الهدف‚ فهو اقتصادي بامتياز‚ لأن المنطقة الصناعية التي وقع فيها الانفجار تخلو من الناس ليلا باستثناء بعض العاملين‚

اذن فالمقصود هو تدمير مؤسسات ومعدات ومعامل تنتسب الى البنية التحتية في بلد خسر الكثير من هذه البنية بسبب الحرب وما تبعها من احتلال اسرائيلي لم تسلم منه حتى العاصمة !

واذا اضفنا استهداف الاقتصاد الى استهداف البشر فان القرائن تكون قد احتشدت وأوشكت على الاكتمال‚ لتؤشر من بعيد على الجهة او الجهات التي تريد زج لبنان في فصل آخر من جحيم ليس له ضفاف او نهاية !

وواضح من الخطاب السياسي السائد الآن والذي يصدر عن الشارع مباشرة ودون اية وصاية او انابة من احد ان الحرب استبدلت‚ بل تعرضت الى تجريد وترميز حاصرها بين قوسين‚‚ تقع الحرب خارجهما تماما‚ فحرب الساحات والشعارات لا ترقى حتى الى مستوى الحرب الاهلية الباردة اذا كان العلم المرفوع فوق الساحات كلها هو علم واحد‚ فقد سبق لاعلام كثيرة ان رفرفت في سماء بيروت‚ يوم كانت الحرب هي حروب الآخرين على الحلبة اللبنانية‚ وليس تفاؤلا ساذجا او اسقاطا سياسيا او حتى استجابة للرغائب الاستنتاج من كل ما جرى وما يجري ان مصطلح اللبننة قد تعرض الى انقلاب‚ فهو لم يعد يعني التشظي والاحتراب وصراع الاشقاء اللدودين‚ بقدر ما تحول الى هاجس وطني‚ يملي على الناس بالرغم من اختلاف المواقع والمواقف ان يعثروا على حد ادنى من الائتلاف او الالتئام الوطني‚

فهل استطاع اللبنانيون بالفعل ان يتلقحوا ضد اللدغ المتكرر من الجُحر ذاته؟ قد يرى البعض ممن يحكمون على الظواهر لمجرد تشابه مقدماتها واسبابها ان ما يجري في لبنان من سجال سياسي قد يفضي الى ما لا تحمد عقباه من نتائج‚ خصوصا اذا استمرت متوالية التصعيد الاعلامي‚ واتسعت الهوة بين الاطراف المتساجلة كلاميا واعلاميا !

وهنا لا بد من تسجيل ملاحظتين اساسيتيين لهما صلة باغتيال الرئيس الحريري‚ الاولى ان هذا الاغتيال جعل كل الزعماء اللبنانيين يعتقدون بأنه ما من مظلات تقي رؤوسهم‚ فالحريري بكل الابعاد التي يعنيها ويرمز اليها في لبنان ليس مجرد رئيس وزراء‚ او نائب برلمان او حتى زعيم تيار سياسي‚ انه كما توضح للعالم بعد رحيله كان مقترنا بالسلم الاهلي واعمار ما هدمته الحرب واستبدال حوار البنادق والصواريخ بالحوار السياسي‚

واضاف اتفاق الطائف الذي لعب فيه الحريري دور البطولة‚ وليس دور الكومبارس الى حياته وموته معا بعدا لم يتوافر لزعيم آخر‚‚ فالحريري ليس اول رئيس وزراء يتعرض للاغتيال في لبنان او خارجه (رياض الصلح مثلا) فقد سبقه حتى رؤساء جمهورية‚ وزعماء طوائف لكن الاستنكار والشجب للاغتيال والتصفية الجسدية لم يكن ذات اغتيال سابق كما هو الآن بالنسبة للحريري‚ فالاصرار على التحقيق وعدم طي ملف الجريمة يبدو انه يتصاعد ولم تخفت نبرة الاصوات المطالبة به بعد اكثر من اربعين يوما على رحيل الرجل !

وما نسب الى مجهولين في جرائم سابقة «كاملة» اصبح الآن موضع مساءلة بأثر رجعي‚ ذلك لأن الاشياء والمواقف تستدعي مثيلاتها كما يقول اهل المنطق‚ والارجح ان ملف هذا الاغتيال لن يغلق‚ لأن اغلاقه تهديد لرؤوس عديدة بمصائر غير سعيدة‚ لأنها كما قلنا بدأت تشعر بأنها عارية وبلا مظلات تقيها !

واذا قدر للبنانيين ان يحولوا اللبننة من مصطلح سلبي مفعم بمعاني التدمير والانتحار الاهلي فان الوجه الآخر والمضاد لهذا المصطلح سيىء السمعة سيتحول الى امثولة في الاستدراك واعادة المعادلة الوطنية الى وضعها القويم بعد ان تعرضت الى جملة من الانحرافات والالتباسات خلطت نابل الوطن بحابل الطائفة مثلما خلطت الاثنين معا بوابل الرصاص والموت !

وقد لا يكون استباقا للاحداث ان نتوقع من شعب جريح‚ اعاد اغتيال الحريري ومسلسل الانفجارات الاخيرة الى ذاكرته احصاءات يندر ان جادت بها حرب اهلية في عصرنا الحديث‚ فثمة اكثر من مائتي الف قتيل‚ وعشرات الالوف من المفقودين ومثلهم من المخطوفين اضافة الى خسائر مادية تتجاوز الخمسين مليار دولار‚ وتعرض آلاف النساء للقتل بعد الاغتصاب‚ لكن ما لا تحصيه حواسيب الحروب‚ هو الخسائر المعنوية والنفسية‚ فما من احد بمقدوره ان يحدد حجم هذه الخسائر بالنسبة لجيل ولد من الرحم الملتهب للحرب‚ ورضع من ادبياتها الطائفية وتربى في حاضنات تختزل الوطن الى حارة او اسرة‚ او دكان !

اللبنانيون ادرى بشعاب تلك الحرب‚ لأن من دس اصابعه في الجمر ليس كمن كان يتدفأ عليه عن بعد‚ وما نراه ونسمعه على الفضائيات خصوصا اللبنانية‚ يوحي للمراقب بأن اشواق هذا الشعب الملتاع والمكتوي بنار الحرب تتوجه الآن الى جهة اخرى‚ وما الرجاء والصلوات من اجل استبعاد شياطين الحرب واشباحها الا التعبير المباشر عن احساس هذا الشعب بأنه لا بد ان يحتكم الى شيء آخر غير الديناميت والبنادق‚ وكمائن الخطف‚

وقد تكون بعض الاطراف قد تطرفت في تصريحات سياسية خلال الايام الاولى التي اعقبت اغتيال رفيق الحريري‚ لكنها الآن تعود الى رشدها الوطني‚ وقد لا ترى غضاضة في الاعتذار او على الاقل مراجعة الذات لتقويم بعض العبارات التي كانت مشحونة بهاجس ثأري‚

ان الجنون وحده وفي اقصى منابع نهره الذي لن يشرب منه من سممهم‚ وافقدهم اعز ما يملكون‚ هو مبرر حرب اخرى تولد من اغتيال كبير‚ او من ثالوث من الانفجارات التي شملت مناطق وبشرا وبنية تحتية‚ ولا نظن ان هناك لبنانيا عاقلا واحدا يرى في تكرار ذلك الجحيم حلا لما تعاني منه البلاد التي خرجت من الحرب ولديها شعور عميق بأنها غدت ارملة‚ ويفيض البيت حولها بالايتام والفقراء والجرحى‚ لهذا فالمشهد اللبناني الآن عصيّ على ان يحبس ضمن ثنائية التفاؤل والتشاؤم‚ فالوطن لم يعد ورقة يانصيب‚ او فريسة يقتتل صيادوها على دمها ولحمها وجلدها واسنانها‚

المنفيون من لبنان ابتكروا لابنائهم لمن ولدوا بعد الحرب وبعيدا عن لهبها وخرائبها حكايات وتنويمات فيروزية خضراء‚ ومن علقوا صور عشرات الالوف بالاسود والابيض على جدران البيوت المتصدعة لا بد ان هناك كوابح وروادع نفسية جديدة تعوق حراكهم اذا كان باتجاه المواجهة وليس باتجاه الحوار وتعميم ثقافة الشراكة الوطنية‚ حيث لا يحق لأي طرف احتكار الوطنية‚ او الادعاد بأنه المعصوم من الخطأ او المحصن ضد النقد !

ولدينا من الاسباب ما يكفي لترجيح احتمال السلم الاهلي رغم وفرة عوامل الحرب‚ فما تغير ليس اسباب الحروب‚ او اسلحتها‚ بل الناس انفسهم‚ لأن الاسلحة تطورت خلال عقدين من الزمن‚ وتغذية عوامل الكراهية والانتقام وادبيات الثأر الطائفي ليس عسيرا على اخصائيي القتل توفيرها‚ اذن فالرهان هذه المرة‚ هو على اللقاحات والاوصال السياسية التي ظفر بها اللبنانيون بعد كل ذلك اللدغ وكل ذلك الموت !

لقد سمع العالم قبل ايام من شاب لبناني على احدى الفضائيات عبارة تختصر الدراما كلها‚ فقد قال‚‚ كنا في الماضي نسأل عن اسماء الناس لتصنيفهم طائفيا‚ في زمن الحواجز والقتل على الهوية‚ اما الآن فنسأل الآخرين عن اسمائهم كي نناديهم بها‚ او نستغيث بهم اذا تعرضنا للغرق او لحادث سير !

ما قاله هذا الشاب اللبناني يعد اللبنانيين جميعا بعكس ما كان يعنيه مصطلح «اللبننة» باعتباره مرادفا للخراب‚ والخطف والجثث المغطاة بأوراق الصحف على الارصفة !

ويضاعف من ثقتنا بأن اللبنانيين تلقحوا ضد تكرار تلك الحرب ان مثل هذا الفتى ينتمي الى جيل لم يشهد الحرب‚ وان كانت قد تحولت بالنسبة اليه الى حكاية‚‚ وغالبا ما تنتهي المآسي الى حكايات اذا استطاع الناس تجاوزها !