المشهد العربي اليوم بالغ السوء ومتراجع إلى مرحلة لم تُشهد من قبل،ومازال بعضنا متشبثا بما هو قديم من شعارات زاعقة، دون التفات إلى الاستحقاقات المحلية والإقليمية الملحة وواجبة التحقيق.
ثلاثية المشهد تتمحور في لبنان، والسودان والعراق، ولكنها لا تقتصر على المناطق الثلاث تلك، بل هناك لاعبون في الجوانب الإقليمية المجاورة، يؤثرون و يتأثروا بما يحدث سلبا في هذه الثلاثية الخطرة،وهي مرحلة عربية تذكرنا بمرحلة سابقة في الثمانينيات حينما أدى العجز العربي إلى حالة انكفاء دفعت الشعوب فيها أثمانا باهظة.
استولت أحداث لبنان في الأسابيع الأخيرة على مقدمة المسرح الصراعي العربي ومازالت تفعل واللاعبون في لبنان كُثر، منهم قوى داخلية وإقليمية وخارجية، إلا أن العيب الأكبر هو في عدم توافق داخلي لبناني مزمن،وكان لبنان قد وصل إلى توافق نسبي، لعب الدور الرئيسي فيه الرئيس رفيق الحريري، لعدد من الأسباب،كونه من الطائفة السنية، التي لم تدخل تجاذبات الحرب اللبنانية الطائفية الطويلة والمريرة ، وكونه رجل علاقات دولية وإقليمية واسعة ، وكونه رجل سياسة يعرف ممرات لبنان ومزالقه السياسية الخطرة.

ومن قتل الحريري استهدف ضمن ما استهدف، التوافق اللبناني الممكن،ولعل المشهد الشعبي الحزين الذي تفجر على فقد رفيق الحريري في لبنان،هو مشهد في صلبه بكاء قائد محتمل وممكن للبنان،واستمرار البكائية على الحريري يعني في بعض منها فقدان ( البطل) الذي يتوق لبنان المجتمع والدولة أن يحصلوا عليه، لنقلهم من حالة التنافر العام إلى التوافق الوطني النسبي
والمشهد اللبناني لم ينته بعد ، فقد فتح اغتيال الحريري ليس بوابة التجاذب السياسي الداخلي التي تبدأ بالمزايدة ولا تنتهي عندها، بل وفتح أيضا بوابة التدخل الدولي من جانب مجلس الأمن على أوسع أبوابها ، ومن المحتمل أن يصدر قرارا دوليا قريبا يتابع مسلسل الوضع اللبناني، من مدخل الاستقصاء فيمن قتل الحريري،ومن أمر بقتله ومن غطى على الفعلة الشنيعة،ولكنه لن ينتهي هناك مهما تمنى الفرقاء،وبالتالي فان القوى الدولية سيكون لها موضع قدم راسخة في الشأن اللبناني على أجندة ما هو معلن دوليا للمنطقة العربية،وهي أجندة لا اعتقد أن سياسيي لبنان يجهلونها.
وفي الجانب الآخر وبعد صدور قرار مجلس الأمن بمحاكمة المتورطين في مجازر دارفور، يدخل السودان من جديد، بعد أن اعتقد البعض انه وضع على سكة الخلاص، يدخل متاهة جديدة،من أول نتائجها ما أعلن حول (تجميد) الاتفاق مع الجنوب،وإلى أن يتم ذلك فهو سوف يفتح أبواب جهنم على السودان والمنطقة، التي ما إن قربت على الراحة،حتى أغلقت من جديد،ويستمر استنزاف السودان الذي لم يصدق كثيرون أن نخبته السياسية حقيقة قد توافقت.
أما المشهد العراقي، فيحتاج إلى قارئ بخت أو فنجان ليحل طلاسمه،فبعد الاحتفال القصير بنجاح الانتخابات الأخيرة،سقط العراق في تجاذبات منعت حتى اليوم وبعد أسابيع طويلة من تلك الانتخابات، من أن تكتمل المؤسسات الدستورية،وأن يكون هناك حكومة ورئيس وزراء، بل ورئيس جمهورية،إنما تصاعد التنافر إلى درجة محرجة لكل الأطراف،مع ازدياد تدفق الدم المتصاعد من العمليات الانتحارية والإرهابية التي تقع يوميا على أفراد الشعب العراقي يصبح القتل شبه مجاني في أنحاء العراق،وكان الوضع يستدعي الترحم على ما فات في أزمان سابقة من أمان أن قورن بما يحدث الآن استدعى امتنان بعض العراقيين،وليس بعيدا اليوم الذي تتناول فيه الأمم المتحدة الشأن العراقي بقرار جديد من مجلس الأمن، بسبب فشل ذريع في إدارة الحكم والمجتمع من قبل النخبة العراقية الجديدة.

فشل النخبة العراقية عن الإبحار بالعراق إلى برالأمان النسبي، في هذا الجو المتلاطم والمعبأ بالهزات، دليل على إفلاس من نوع ما،وما عودة الأشكال التقليدية في التصدر للشأن العام،كما حدث أخيرا في إصدار (فتوى) للسنة العراقيين العرب بجواز الانضمام لقطاعات الجيش والشرطة،شريطة ألا يساعدوا المحتل ! إلا مظهرا لمخبر،وهو فراغ الساحة من السياسيين،وعدم قدرتهم على النهوض بمهماتهم التي كثيرا ما تحدثوا عنها في الخارج.
صديق عراقي(عبد المنعم الاعسم) أهداني كتابه الأخير المعنون (العراق،عنف،ديمقراطية) يقول فيه بالنص (نحن العراقيين لسنا مؤهلين لإدارة أنفسنا..لنعترف... لقد حانت ساعة الحقيقة...ساعة الإقرار بما أصبح معروفا، فالعالم كله يتصرف معنا على أساس أننا قاصرون: إذا ناقشنا فبالسكاكين و العصي،وإذا اختلفنا فبالأسنان والنواجذ،وإذا أحببنا فإننا نخلع على المحب ما يسترنا من ورق التوت،وإذا كرهنا نكره حتى سابع جار لخصمنا)
هذا النص بالغ السخرية وبالغ الإحباط وقد يراه البعض متشائما،إلا أن الحقائق على الأرض تميل إلى تصديقه والاقتراب من معناه العام، يشير الاعسم للمشترك بين مس بل،وكانت تحكم العراق في العشرينات من القرن الماضي،وميشيل عفلق، وبول برايمر ، لتسمية البعض من الذي حكموا العراق من الخارج،تدليلا على القصور الذاتي.
حقيقة الأمر أن العراق مثله مثل لبنان ومثله مثل السودان، يعطي الدليل على قصور مرضي لدى النخبة في التقاعس عن الحكم الحكيم كنت أسأل صديقا لبنانيا عن ظاهرة لفتت انتباهي، لماذا يصر كثير من السائقين اللبنانيين أن يخترقوا إشارات المرور بعنف لافت، قال الصديق: اللبنانيون لا يقودون بلدهم فيكتفون بقيادة سياراتهم!
أمام هذه المظاهر مازال بعض القريبين إلى السذاجة السياسية من المراقبين والكتاب العرب، يناقشون بممانعة غريبة تأثير الخارج على الداخل،وكأن هناك داخل مطلق أو خارج مطلق!
ثلاثية لبنان، السودان، العراق لا تتوقف هناك، إنها تبدأ فقط، ففي الجوار العربي من الأحداث ما ينذر بتكرار مثل تلك التفاعلات، ليس بالضرورة تكرارا ميكانيكيا وصورة طبق الأصل لما حدث ويحدث،إنما التفاعلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية هي نفسها، لقد أصر بعض قادة لبنان السياسيين في تصريحاتهم أن بلدهم ليست جورجيا أوأذربيجان،وهو قول صحيح إن اعتقد البعض أن التكرار ميكانيكي،إنما جرم السفهاء ومحدودي البصيرة،قد تؤدي بالأوطان إلى ما لا يحمد عقباه.

*كاتب وباحث أكاديمي