قال الرئيس بوش للمراسلين إنّه لا ينوي تحديد أيّ جدول زمني للانسحاب [من العراق]، معلناً سيعود جنودنا إلى ديارهم عندما يصبح العراق قادراً على الدفاع عن نفسه . لا ينفكّ نقّاد بارزون يقولون لنا إن الانسحاب السريع للجنود الأميركيين من العراق أمر غير مسؤول. وقد صدّق كثر تلك الفكرة بمن فيهم عدد قليل من التقدّميين. هذا القبول هو جزء مما سمّاه مارتن لوثر كينغ جونيور جنون العسكريتاريا .

أحياناً يفترض ناشطون تقدّميون في سرّهم أنّه يجب قبول احتلال العراق لأسباب تكتيكية في حين أنّ احتمال الفوز في مسائل أخرى في كابيتول هيل، لا سيما المسائل المحلّية، أكبر. لكنّ القبول يعني الموافقة على العديد من الآثار المدمِّرة لمجتمع عسكريتاري: من الموازنات المنهوبة للبرامج الاجتماعية إلى تصرّفات أكثر تسلّطاً، وعنف في المتّحدات عبر البلاد.

قال كينغ عام 1967: القنابل في فيتنام تنفجر في قلب الولايات المتحدة. تقضي على الآمال والإمكانات لبناء أميركا جديرة بالاحترام . ورفض الادّعاءات الملحاحة بأنّه من الحكمة الامتناع عن معارضة الحرب بوضوح في سبيل التركيز على المسائل الداخلية. وأعلن: أتكلّم باسم من تُهدَر أرضهم وتُدمَّر منازلهم وتُشوَّه ثقافتهم ، وتابع: أتكلّم باسم الفقراء في أميركا الذين يدفعون مرّتين ثمن الآمال المحطّمة في الداخل والموت والفساد في فيتنام .

مع بداية ربيع 2005، يبذل كثر ممن يحلو لهم الثناء على مارتن لوثر كينغ، جهداً خاصاً لتجنّب الحديث عن الطابع المدمِّر جداً لهذه الحرب. لا شكّ في أنّه طوال الستيّنات وفي مطلع السبعينات، كانت الحجّة السائدة أنّ سحب القوّات الأميركية هو بمثابة تخلٍّ عن المسؤولية الأميركية تجاه شعب فيتنام الجنوبية. والآن أيضاً غالباً ما ترتكز معارضة الانسحاب الأميركي السريع من العراق على فكرة أنّه ينبغي على الجيش الأميركي البقاء هناك من منطلق مسؤوليّته تجاه الشعب العراقي.

لكنّ معظم العراقيين يريدون أن ينسحب الجيش الأميركي من بلادهم بسرعة. فقد جاء في عدد 31 كانون الثاني من مجلّة نيوزويك أن كل استطلاعات الرأي الأساسية تظهر أنّ غالبية متزايدة من العراقيين تريد رحيل الأميركيين . ومع ذلك نسمع أنّه يجدر بالجنود الأميركيين البقاء من أجل الشعب العراقي، على الرغم من أنّ الجزء الأكبر من ذلك الشعب يريد بوضوح رحيل هؤلاء الجنود. (هل يُفترَض بنا أن نصدّق أنّ الأميركيين يعرفون أكثر من العراقيين إن كان يجدر بالجنود الأميركيين البقاء في العراق أم لا؟).

في سبيل تغطية هذا اللامنطق، تقول لنا أسطورة تزكيها الوسائل الإعلامية إنّ الخروج من العراق مفهوم يبقى خارج حدود ما يمكن أن يأخذه الرأي العام الأميركي على محمل الجدّ. يصرّ معظم السياسيين والنقّاد على أنّه غير مطروح على النقاش لكنّ استطلاعات الرأي تشير إلى ما هو مختلف كلياً.

كتبت آيمي كوين من معهد الدراسات السياسية في مطلع الشهر الجاري حسب استطلاع أجرته محطة إن بي سي وصحيفة وول ستريت جورنال بعد الانتخابات العراقية، يعتبر 59 في المئة من الأميركيين أنّه ينبغي على الولايات المتحدة سحب جنودها من العراق السنة المقبلة . وأضافت لكنّ عدد من ينشطون في مطالبة الرئيس بوضع استراتيجيا للخروج من العراق، ضئيل .

في منتصف الشهر الجاري، كشف استطلاع للآراء أجرته محطة أي بي سي نيوز وصحيفة واشنطن بوست أنّ جزءاً كبيراً من الشعب الأميركي لديه نظرة سلبيّة الى الحرب. على سبيل المثال، وردّاً على السؤال الآتي: في الإجمال، وإذا قارنّا بين التكاليف المترتّبة على الولايات المتحدة والمكاسب التي تجنيها، هل تعتبرون أنّ الحرب على العراق كانت تستحقّ العناء أم لا؟ ، أجاب 45 في المئة فقط بنعم بينما اجاب 53 في المئة بلا.

تشير أرقام كهذه في استطلاعات للرأي على صعيد البلاد إلى أنّ الأشخاص المهتمّين بالحصول على اقتراحات لسحب القوّات الأميركية من العراق ليسوا قلائل. لكنّ النقطة الأساسية ليست فقط في توافر مساحة سياسية في الولايات المتحدة تسمح لحركة شعبية بأن تتنظّم بطريقة فاعلة للمطالبة بانسحاب سريع، بل أيضاً في كونه البديل الأفضل في حالة العراق.

إليكم وجهة نظر ديفيد إندرز، الصحافي الأميركي الشجاع الذي يمضي معظم أوقاته في العراق منذ الاجتياح. يراسل موقع موذرجونز دوت كوم الإلكتروني ومجلة ذو نايشن والصحيفة البريطاية الإندبندنت ، ويغطّي المجتمع العراقي عن كثب بدلاً من البقاء وراء الخطوط الأميركية. قبل أيام، وفي معرض إجابته من العراق عن الأسئلة التي وجّهتها إليه بالبريد الإلكتروني، شرح إندرز بعض الأسباب التي تدفعه إلى القول إنّه يجدر بالجنود الأميركيين مغادرة العراق وليس البقاء فيه. ومن هذه الأسباب:

- إنها إرادة الشعب العراقي . يذكر إندرز دراسة أجراها أخيراً مستطلِع الآراء العراقي سعدون الدلَيمي وأظهرت أنّ 85 في المئة من العراقيين يريدون رحيل القوات الأميركية من بلادهم بأسرع وقت.

- لا تضمن الولايات المتحدة أمن العراقيين العاديين، ولم تفعل ذلك قط .

- لم تمنع الولايات المتحدة اندلاع حرب أهلية، لا بل على العكس ساهمت في تفاقمها .

- ليس الانسحاب إهمالاً للواجب الأخلاقي بل البقاء هو إهمال للواجب الأخلاقي. إعادة السيطرة والسيادة الحقيقيّتَين إلى العراقيين هي الطريقة الأكثر فاعلية لمنع البلاد من الانهيار. يشكو الجنود الأميركيون من أنّ العراقيين لا يريدون أن يقاتلوا بأنفسهم، والسبب إلى حدّ كبير هو وجود المحتلّين .

ويعبّر إندرز عن دعمه القويّ للقرار الذي يرعاه أكثر من 24 عضواً في مجلس النوّاب الأميركي ويعبّر عن إدراك الكونغرس لضرورة أن يبادر الرئيس إلى إعداد خطة لبدء الانسحاب الفوري للقوات المسلّحة الأميركية من العراق وتطبيقها (قرار مجلس النوّاب رقم 35).

هذا الربيع، بينما يعمل الناشطون الأميركيون على بناء حركة قويّة ضدّ الحرب، الحاجة إلى الضغط على الكونغرس واضحة. لكن الأقلّ وضوحاً هو الحاجة إلى الضغط أيضاً على المنظمات التقدّمية المتردّدة التي تسلك الطريق السهل من خلال رفض تحدّي الحرب الدائرة، وفي حال دعت الحاجة مواجهة هذه المنظمات.

لحسن الحظ، تؤدّي بعض المنظمات الوطنية دوراً قيادياً مباشراً في السعي إلى تحقيق انسحاب القوات الأميركية من العراق. تلك المجموعات ومن بينها متّحدون من أجل السلام والعدالة و ديموقراطيو أميركا التقدّميون و عائلات العسكر ترفع الصوت و الغالبية الحقيقية و محاربون قدامى ضدّ الحرب في العراق و الشِفرة الزهرية و شبكة الجامعات المناهضة للحرب و محاربون قدامى من أجل السلام و التعهّد العراقي بالمقاومة و لجنة خدمة الأصدقاء الأميركيين و ثورة الديموقراطية و عمّال أميركيون ضدّ الحرب ، وهذا غيض من فيض تبشّر بالخير بينما تتنظّم.

وحدها المعارضة الواضحة للحرب كفيلة بتغيير شروط النقاش الوطني. وسلوك دروب المقاومة في أدنى درجاتها لا يقود إلى أيّ مكان.

*ناقد أميركي متخصّص في وسائل الإعلام الأميركية - تنشر قضايا النهار مقالاته بالاتفاق معه

(ترجمة نسرين ناضر)