برحيل البابا جون بول الثاني تصل إلى نهايتها مرحلة من مراحل تطور النظام الدولي. فقد تولى مسؤولية الفاتيكان وأوروبا على وشك مواجهة حاسمة بين نظامين وعقيدتين: الشيوعية والرأسمالية. وصل الكاردينال البولندي إلى روما يحمل على كتفيه هموم الشعب الذي ذاق عذاباً على أيدي احتلالات أجنبية أكثر من أي شعب في أوروبا، ويحمل آمال الكاثوليكيين في الولايات المتحدة وفي أمريكا اللاتينية في تحديث المسيحية لتواكب التطور التكنولوجي والاجتماعي الهائل الذي يسود الغرب، ويحمل أيضاً شكوك قساوسة تقدميين من أمريكا الجنوبية في النظام الرأسمالي ولا إنسانية تطبيقاته في قارتهم.
في الساعة السادسة والربع من مساء 16 أكتوبر/ تشرين الأول عام ،1978 انطلق الدخان الأبيض معلناً انتخاب كارول فوتيلا رئيساً للملكية الكاثوليكية تحت اسم جون بول الثاني، وبعدها بشهور قليلة كان البابا الجديد يركع على أرض بولندا ويقبل ترابها، مؤذناً بقرب اشتعال انتفاضة حركة “تضامن” في ميناء جدانسك وبداية سقوط الشيوعية، لم يسقط النظام الشيوعي في بولندا في مواجهة عسكرية، ولكن في مواجهة مع عقيدة أخرى، وفي سبتمبر/ ايلول 1989 جرت في بولندا أول انتخابات حرة في أوروبا الشرقية وبعدها بشهرين سقط جدار برلين، ثم رحلت الشيوعية نهائياً عن القارة الأوروبية.
قيل، ولا يزال يقال، إن البابا الراحل أقام حلفاً مع الولايات المتحدة للعمل معاً على فرض الهزيمة على الشيوعية. تقوم أمريكا، طبقاً لهذا الحلف، بتصعيد الضغوط الاقتصادية والسياسية على موسكو والحكومات السائرة في فلك الاتحاد السوفييتي، وفتح جبهات عسكرية لنزف الطاقة الروسية وإشاعة حالة من الخوف والشلل في جميع أنحاء الكتلة الاشتراكية. وبالفعل شهدت بدايات التحالف الكاثوليكي الأمريكي أعنف سباق تسلح بين أمريكا وروسيا تحت عنوان “حرب الفضاء”، وأول حرب استنزاف ضد القوات المسلحة الروسية وكانت ساحتها أفغانستان، وأضخم عملية تعبئة باستخدام أجهزة الإعلام والكنائس لحشد الجماهير في أوروبا الشرقية ضد الحكومات الشيوعية والعلاقة مع الاتحاد السوفييتي، وبهذا الانتصار الذي حققته الولايات المتحدة والكنيسة الكاثوليكية، بدأت مرحلة جديدة في العلاقة بين الحليفين، وفي النظام الدولي بشكل عام، فقد اندفعت واشنطن وبكل طاقتها نحو إقامة نظام القطب الأوحد تكون لها وحدها فيه القيادة المادية على أمل الانطلاق من هذا النظام نحو فرض نظام امبراطوري على العالم برسالة إيديولوجية واضحة ورسالة تبشيرية “روحانية” واحدة، عندئذ بدأت المشكلات تعترض طريق التحالف الأمريكي الفاتيكاني، كانت الكنيسة، وبفضل جهود البابا وحرصه على أن يكسب أرضاً جديدة واستعادة ثقة الشعوب في الكنيسة كمؤسسة، رسخت أقدامها في مجالات حقوق الإنسان والسلام العالمي وحقوق الشعوب الفقيرة والمستضعفة والحضارة الإنسانية. وفي معظم هذه المجالات وجدت نفسها تصطدم بسياسات الدولة الأوحد وممارساتها، كما حدث في إفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية، ووصلت الشكوك بين الطرفين إلى درجة كبيرة عندما جاهرت الكنيسة بعدم رضاها عن هذا النوع “الشرير” واللاإنساني من الرأسمالية الذي تحاول الولايات المتحدة فرضه على شعوب العالم، ورفضها فرض عقوبات اقتصادية على شعب العراق ثم شن الحرب ضده.
بمعنى آخر حقق التحالف أهدافه عندما كانت الأهداف مشتركة والمصالح متقاربة، ودب الخلاف حينما شعر الطرفان بأن قوة كل منهما تقيد حرية الآخر وتحد من انتشار رسائله التبشيرية. وعندما تأكد لهما، ولغيرهما من الأطراف الدولية، أن العالم لن يتسع لامبراطوريتين تسعى كل منهما للحصول على تأييد أغلبية الشعوب أفكارها ورسائلها، ووقع الصدام، وكان حتمياً وقوعه، وبخاصة في موضوع صدام الحضارات بسبب إصرار الفاتيكان على أنه إن لم تضبط الولايات المتحدة حركة الصدام بين الحضارات وأفكاره الخبيثة التي تسرب بعضها إلى مواقع صنع القرار في أمريكا، كوزارة الخارجية والدفاع ومراكز البحوث والجامعات، فسيكون الخاسر جميع الأديان وليس فقط الحضارات “المدنية” التي تمثل أمريكا أبرزها وأقواها، أغلب الظن أن رحيل البابا جون بول سيحمل أمريكا على أن تحاول بكل طاقتها إعادة نفوذ الكنيسة الكاثوليكية إلى وضعها المنحسر كما كان الحال خلال عهود البابوية الضعيفة، وقد تحاول الولايات المتحدة انتهاز فرصة الصحوة في التيارات الإنجيلية في الولايات المتحدة لإضعاف النفوذ السياسي لكنيسة روما، أما إذا وصل إلى منصب البابا شخص من وزن وكفاءة وشعبية الراحل جون بول، واتخذ موقفاً مناهضاً لممارسات أمريكا في الخارج وخصوصاً في العالم النامي، وشعرت واشنطن بخطورته على مصالحها فقد تلجأ إلى سياسة التحكم في ثروات الكنيسة الكاثوليكية والتضييق على حركة أموالها مستفيدة من تجربتها مع الأرصدة والممتلكات الإسلامية، تهتم أمريكا بشكل خاص بمعرفة حقيقة الوضع المالي للفاتيكان، تعددت الدراسات والإشاعات ومع ذلك لا يوجد حتى الآن مصدر واحد معلن يكشف عن الوضع الحقيقي داخل المصارف التي تملكها الكنيسة أو المصارف والشركات التي تستثمر فيها أموالها. ولا شك أنه كما يقلق واشنطن اشد القلق أن تكون هناك أموال في مكان غير محسوب حسابها أو معلوم أصلها ووجهتها، يدخل في باب القلق الأمريكي كذلك الأسلوب الذي سيتعامل به البابا الجديد مع الإسلام والمسلمين، أي الموضوع الذي يتصل مباشرة بمستقبل الامبراطورية خلال السنوات المقبلة.













التعليقات