متى ستنطلق الانتفاضة الفلسطينية الثالثة؟ سؤال تدفع به وسائل الاعلام “الإسرائيلية”، بصخب شديد، تحت سقف التهدئة الشاملة التي يمارسها الفلسطينيون في هذه المرحلة.
هذا السؤال “الإسرائيلي” خبيث جداً، فهو يتضمن في باطنه رغبة “إسرائيلية” دفينة (والأصح انها معلنة على أكثر من مستوى)، بأن تنفجر التهدئة انفجاراً هائلاً (يسميه السؤال للتمويه انتفاضة ثالثة)، على شكل سلسلة من الانهيارات الفوضوية الفلسطينية التي تبتلع الديمقراطية الوليدة التي تعززت بانتخاب الرئيس محمود عباس (أبو مازن)، ثم بإعلان حركتي حماس والجهاد الاسلامي عن امكانية انضمامهما لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومشاركتهما في الانتخابات التشريعية في يوليو/تموز المقبل.
“إسرائيل” التي تعتبر نفسها الأكثر ديمقراطية (وربما الديمقراطية الوحيدة) في المنطقة، تخاف من هذه الديمقراطية الفلسطينية الوليدة (وحتى الهشّة)، خوفاً يصل بها إلى درجة الذعر، فكيف لمن هم تحت بنادقها الاحتلالية الاستيطانية، وداخل كنتوناتها المزنّرة بالنار والحديد والخراب، ان ينجحوا في انتاج ديمقراطية تفرض احترامها على العالم كله؟
الذعر “الإسرائيلي” في هذا السياق، منطقي تماماً. فبقدر ما تتكرّس الديمقراطية الفلسطينية، يزداد عزل “إسرائيل” والضغط عليها لإنهاء مأزق التناقض الذي تغوص فيه: أنها ديمقراطية (حسب اعتبارها) من جهة، وأنها في الوقت نفسه، قوة احتلالية استيطانية (كما هي على أرض الواقع) من جهة ثانية.
صحيح ان “إسرائيل” لا تكترث للشرعية الدولية حتى الآن. غير ان الديمقراطية الفلسطينية، في حال تواصلها وصمودها وثباتها على أهدافها الوطنية المشروعة، سوف تجبر الشرعية الدولية على ان تكترث لما لا تكترث له “إسرائيل”. أي أن هذه الديمقراطية الفلسطينية الوليدة والحيّة والمتماسكة تحت ضربات الاحتلال، سوف تجبر الشرعية على الالتفات أخيراً، بجدية وبفعالية اجرائية، إلى زيف ديمقراطية “إسرائيل”.
من يمارس الاحتلال لا يمكن له ان يمارس الديمقراطية، ولو رفع شعاراتها فوق كل منصّاته بأزهى الألوان. ومن يقوم على الاحتلال هو قائم بالضرورة، على الديكتاتورية والبطش والعنصرية والإرهاب، وقد حققت الديمقراطية الفلسطينية المحاصرة بالاحتلال والاستيطان والموت، هذا الانفتاح الواسع على الوعي المحيط بهذا المشهد. من المستحيل على “إسرائيل”، بعد الآن، ان تواصل الضحك على ذقون العالم، بديمقراطيتها الوحيدة في المنطقة، وبأن هذه الديمقراطية هي سلاحها المشروع ضد الإرهاب.
شكّلت الديمقراطية الفلسطينية رافعة قوية لهذه الاسئلة المهمة والمصيرية، وعلى وقع هذا التشكيل، يتحرك الشعب الفلسطيني بسلطته ومنظمته ومختلف فصائله ومؤسساته الرسمية والأهلية، تحت ظلال “التهدئة” التي يحرص عليها وفق برنامج واضح ومعلن، نحو مواصلة سعيه نحو الاستقلال، بإنهاء الاحتلال الاستيطاني وإزالته.
“إسرائيل” لا تريد التهدئة، وبالتالي، فإنها تلح على سؤال: متى ستنطلق الانتفاضة الثالثة؟ (كانت الانتفاضة الأولى في 9 ديسمبر/كانون الأول ،1987 وعلى أساس ما أحرزته، نشأت السلطة الوطنية في العام ،1994 في سياق اتفاق أوسلو. وكانت الانتفاضة الثانية في 28 سبتمبر/أيلول ،2000 والتي أعادت “إسرائيل” على أثرها احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة).
الإلحاح “الإسرائيلي” على هذا السؤال يكشف كما قلنا، عن رغبتها العدوانية في تحطيم الديمقراطية الفلسطينية، في الوقت الذي بدأت فيه هذه الديمقراطية الوليدة تسهم فعلياً في عزل “إسرائيل”، وفي تعرية “ديمقراطيتها” الاحتلالية أمام العالم كله.
الأهم من هذا الالحاح “الإسرائيلي” على أية حال، هو الإلحاح الفلسطيني على حتمية نجاح التجربة الديمقراطية، وانتزاع تجلياتها الباهرة من براثن الاحتلال نفسه. وهو انتزاع ليس سهلاً، إلا انه مصيري للشعب الفلسطيني كله، وقضيته ودولته المرتقبة، وبالتالي، لا بد من النجاح فيه، إلى درجة التفوق.
ولن نسأل ماذا ستفعل الولايات المتحدة التي تتغنى بالديمقراطية ليل نهار، وتخوض الحروب تحت مظلتها، إزاء الإلحاح “الإسرائيلي” على إفشال “التجربة”، مقابل الإلحاح الفلسطيني على انجاحها، ذلك بأن الفلسطينيين لا يملكون سوى خيار النجاح. وليكن للولايات المتحدة بعد هذا النجاح، ما تشاء من فعل!














التعليقات