... بعيداً عن أنظار العالم

قبل شهرين فقط لقي والدي مصرعه في حادث إرهابي سياسي، فقد سافر إلى العاصمة البنجلاديشية دكا لإلقاء خطاب في لقاء جماهيري في الجزء الشمالي من البلاد في 27 يناير الماضي، وكان آلاف الناس محتشدين للاستماع إليه، وعندما كان يغادر المنصة بدون أي حماية من الشرطة، انفجرت سلسلة من القنابل اليدوية.

أصيب والدي بجروح بالغة وبالرغم من التماسات، والدتي وكثير من أصدقاء وأقارب والدي في الساعات التي تلت الحادث لم تزودهم الحكومة بطائرة مروحية لنقله إلى دكا حيث تتوافر التسهيلات الطبية، وتعطلت سيارة الإسعاف التي كانت تقله إلى مستشفى محلي فنزف دمه حتى فارق الحياة، وقتل في نفس الهجوم أيضا أربعة من أعضاء حزب المعارضة.

اسم والدي هو شاه كبريا وكان شخصا مشهورا في الحياة العامة وسبق ان عمل وزيرا للمالية ووزيرا للخارجية ووكيلا عاما في الأمم المتحدة، في وقت وفاته كان حزبه خارج السلطة وكان يعمل كعضو في المعارضة داخل البرلمان كما كان يكتب مقالات صحفية.

وفي السنوات الأخيرة أصبح من أعلى الأصوات إدانة وانتقادا للصعود الملحوظ للتطرف المسلح والعنف السياسي الذي ترعاه الدولة.

ورغم ان الحادث لم يثر الانتباه كثيرا في الغرب إلا أن مقتله أغرق بنجلاديش في أزمة سياسية شبيهة بتلك التي حدثت في لبنان عقب مقتل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، وكما في لبنان امتلأت الشوارع في بنجلاديش بالمتظاهرين الغاضبين من حادث القتل الوحشي والاعتقاد بتورط الحكومة في الأمر، ومثل عائلة الحريري تناشد عائلتنا قيام تحقيق دولي في الحادث الإجرامي ولكن على خلاف الوضع في لبنان لم تظهر حكومة بنجلاديش- المكونة من تحالف بين الحزب القومي البنجلاديشي والجماعة الإسلامية الأصولية - لم تظهر أي رغبة في التعاون.

تسود في بنجلاديش اليوم أجواء آمنة للإرهابيين ويعزز ذلك عدم مبالاة الحكومة وادعاءاتها المتكررة بعدم وجود مشكلة إرهاب، وعليه فإن الذين يرغبون في رمي القنابل على رموز المعارضة أو تفجير القنابل في الفعاليات الثقافية العلمانية أو اغتيال الكتاب والمثقفين، يمكنهم أن يفعلوا ذلك بدون خوف من عقاب قانوني، وقد تعرضت المهرجانات الموسيقية ودور السينما والمسارح لهجمات متكررة في الآونة الأخيرة.

لقد ارتفعت معدلات العنف السياسي بسرعة صاروخية، ووفقا لتقرير صدر مؤخرا عن وزارة الخارجية الأمريكية، فإن قوات الأمن الحكومية في بنجلاديش متورطة في عمليات قتل ذات دوافع سياسية وخارجة عن سلطة القضاء. وفي إطار جهودها لقمع المعارضين لجأت الحكومة لاعتقالات جماعية لأعضاء الأحزاب الأخرى قبل خروجها في مسيرات جماهيرية مخططة، وأصبحت مضايقة الأقليات الدينية أمراً مألوفاً.

والتطور الأكثر إثارة للقلق هو بروز «حركة طالبان البنجلاديشية» التي تتشكل من تجمع لمجموعات إسلامية مسلحة يعتقد أن لها صلات مع منظمات الإرهاب الدولي، وقد فرضت هذه الجماعات في الأجزاء الشمالية الغربية من بنجلاديش نظام حكم مشابه لحكم طالبان، ونتيجة لضغوط عالمية كبيرة أعلنت الحكومة في الشهر الماضي فقط نيتها لاعتقال أحد أبرز قادة تلك الجماعات بعد أن كانت تنكر وجودهم أصلاً.

منذ ميلادها في عام 1971 لم تكن بنجلاديش في أنظار العالم والغرب دولة ذات أهمية استراتيجية، وفي حسابات مخططي السياسات الخارجية لا تجد بنجلاديش أدنى اعتبار حيث تكون الاهتمامات مركزة على جارتيهما النوويتين المتخاصمتين وهما الهند وباكستان، غير أن تجاهل بنجلاديش بعدد سكانها البالغ 141 مليون نسمة يعتبر خطأ جسيماً سيكلف العالم ثمناً باهظاً في وقت ليس بالبعيد.

*أستاذة علم الاجتماع في جامعة بوسطن

عن: خدمة لوس أنجلوس تايمز