يُعد انتخاب الكاكا مام جلال الطلباني رئيساً للجمهورية العراقية، مع اثنين من الساسة البارزين، نواياً للرئيس، حدثاً مفصلياً ونوعياً في التاريخ السياسي للعراق الحديث. ومسببات أهمية هذا الحدث لا تنبع فقط من أن الرئيس جلال الطلباني هو أول رئيس كردي في تاريخ العراق، ولا من كونه لم يأتِ إلى سدة الحكم بطريقة (الترئيس) المعروفة في العراق وفي عدد من دول الشرق الأوسط، ولكنها تنبعث من طبيعة هذه الرئاسة بالمقارنة بتاريخ مؤسسة الرئاسة في العراق الجمهوري منذ الإطاحة بالنظام الملكي صبيحة يوم 14(يوليو)، 1958. لقد تأسس النظام الجمهوري بمناورة عسكرية محكمة (حسب مقاييس تلك الحقبة) قادها ضابطان، هما الزعيم عبد الكريم قاسم والعقيد عبد السلام عارف، ليهبط العراق مذاك في دوامة الانقلابات والانقلابات المضادة التي كان يًنظمها مجاميع صغيرة من ضباط الجيش الذين قادوا العراق إلى ماهو عليه من تفكك وتآكل أديا ، في نهاية المطاف ، إلى استقدام القوات الأجنبية لاحتلاله بسبب قصر النظر والأنانية وحب الاستحواذ.
النقطة المهمة هنا تتمثل في أن النظام الجمهوري في العراق لم يولد ولادة طبيعية تأسيساً على إرادة الشعب والمجتمع الذي كان ينبغي أن يختار، بالطرق الديمقراطية وعبر صناديق الاقتراع، بين النظامين الملكي والجمهوري. الذي حدث صباح يوم 14 يوليو لم يزد عن عملية تحريك أرتال عسكرية كان يفترض أن تمر ببغداد في طريقها إلى الأردن. استثمر الزعيم عبد الكريم قاسم، بالاتفاق مع رفيقه عبد السلام عارف، هذا المرور ببغداد لنشر أعداد من الوحدات على دار الإذاعة وعلى قصر الرحاب (حيث كان يسكن الملك فيصل الثاني مع أسرته ووصيه السابق الأمير عبد الإله)، كي يذاع البيان رقم واحد الشهير. ثم مالبثت بعض القوات العسكرية المتمركزة ببغداد وبالقرب من ضواحيها وان انضمت إلى العملية كي تُعلن الجمهورية العراقية (من الإذاعة) وليس من صناديق الاقتراع. وقد استعجل واحد من صغار الضباط العملية من خلال ضغطه على زناد بندقيته ليقتل الملك وأفراد أسرته، رجالاً ونساءً، الذين خرجوا من داخل قصر الرحاب، حاملين المصاحف، لتسليم أنفسهم (دون أوامر من الزعيم). وهكذا تحول اسم قصر الرحاب إلى (قصر النهاية) حيث انتهت حقبة لتبدأ حقبة دموية.

لم يكن قائد الحركة عبد الكريم قاسم يريد للجمهورية الفتية أن تكون جمهورية الانقلابات والترئيسات التي عهدناها، درجة أنه ترفّع عن إعلان نفسه رئيساً للجمهورية، حيث تم تعيين ثلاث شخصيات (عسكري واحد، واثنين من المدنيين) تحت عنوان (مجلس السيادة) كي يضطلع بمهام الرئاسة لحين إجراء انتخابات. بيد أن عفة قاسم وترفعه عن الأغراض الأنانية لم تكن كافية لمنع الضباط الآخرين من التوثب لمنصب الرئيس، حيث أُعلن العقيد عبد السلام عارف ( منح نفسه رتبة مشير بعد الرئاسة) أول رئيس لجمهورية العراق حال الإطاحة بعبد الكريم قاسم وإعدامه بدون محاكمة وبعيداً عن الجماهير التي كانت تهتف: (ماكو زعيم إلاّ كريم). وهكذا سقطت مؤسسة الرئاسة بأيدي مجاميع الضباط الانقلابيين الذين بقوا ينتظرون، واقفين في طابور الرئاسة، وكأن القضية لم تكن لتزيد عن لملمة وتجميع عدد منهم للقيام بانقلاب عسكري وإعلان رئيس جديد. وهنا بدأت مأساة العراق: حيث كانت لا تمر الأشهر القصار دون السماع عن محاولة انقلابية، ناجحة أو فاشلة، عبر ميكرفون الإذاعة في منطقة الصالحية ببغداد، حتى أن إذاعة إسرائيل، (حديث ابن الرافدين) آنذاك، راحت تتهكم بازدراء: إذا أردت أن تكون رئيساً أو وزيراً فاذهب إلى العراق.
لم تمر سوى سنوات قصار حتى قضى الرئيس الأول عبد السلام عارف نحبه بحادث سقوط طائرة سمتية قرب البصرة (لم يزل الموضوع غامضاً، إذ لا يعرف فيما إذا كانت الطائرة قد كبت أم فجرت من الداخل أو من الخارج)، فتم تشكيل مجلس من ثلة من ذات الضباط الانقلابيين المتنفذين لاختيار الرئيس الجديد: حيث ظهرت بدايات طرائق الترئيس بالتوريث. لقد اختار هذا المجلس عبد الرحمن عارف، أخو الرئيس المتوفي، رئيساً جديداً للجمهورية. كان الرئيس عبد الرحمن عارف رجلاً مسالماً وطيباً شهد العراق خلال رئاسته شيئاً من الاستقرار، لولا وقوعه في خطأ تقريب طائفة من الضباط الانقلابيين على أساس القرابة والطائفة. وقد قام هؤلاء بخيانته بعد أن أقسموا له على المصحف بالولاء، حيث تمت عملية فتح أبواب القصر الجمهوري والمواقع المهمة في بغداد من قبل هؤلاء الضباط كي يدخل الانقلابيون الجدد ليعلنوا تغيير النظام يوم 17 يوليو، 1968. ولحسن حظ الرئيس عبد الرحمن عارف، وربما لحسن سيرته ومسالمته، أنه لم يُعدم وإنما أرسل إلى خارج العراق. وما لبثت صراعات الديكة الدموي بعد إعلان الانقلابيين العقيد أحمد حسن البكر (منح نفسه رتبة مهيب بعد الرئاسة) رئيساً للعراق: حيث قام الانقلابيون خلال أيام بالقضاء على ذات الضباط الذين خذلوا الرئيس السابق عبد الرحمن عارف، عن طريق عزلهم تحت التهديد بالسلاح وتسفيرهم إلى الخارج، إذ ندموا على ما فعلوا برئيسهم السابق غيلة. وعبر حقبة الانقلابات أعلاه تحولت الرئاسة والوزارات إلى شيء من الفكاهة والتندر بسبب الانقلابات الفاشلة المتعددة، تلك الانقلابات المضحكة التي حولت هذه المناصب السيادية المهمة إلى أمثولة للامسؤولية وللااستقرار. في واحدة من هذه الانقلابات الهزلية، حاول نائب رئيس الجمهورية، ورئيس الجمهورية وكالة (بسبب سفر الرئيس عبد الرحمن عارف إلى الخارج) السيطرة على الحكم عن طريق عزل الرئيس المسافر وإعلان نفسه رئيساً للجمهورية. بيد أن المحاولة كانت بدرجة من الفشل أن الرئيس عارف قد عفى عن نائبه الإنقلابي لأنه لا يمثل خطراً حقيقياً ! ولم يزل الرجلان على قيد الحياة حتى اللحظة.

نصب البكر رئيساً عبر هذا الانقلاب وبقي الرجل يستجمع أقاربه ومريديه من ضباط الجيش والمدنيين كي يتواصل في السلطة. ولكن من بين أقاربه ظهر المنافس، صدام حسين، الذي عزله بطريقة سلمية فنية كي يقضي البكر نحبه بعد مدة قصيرة بسبب الشيخوخة أو لأسباب غير معروفة حتى اللحظة. ففي أحد أيام يوليو 1979 ظهر البكر فجأة على التليفزيون ليعلن أنه يسلم الرئاسة (تسليماً، هذه المرة) لرجل أمين بديلاً عنه، فكانت رئاسة الرئيس السابق صدام حسين الذي (سجل) هذا المنصب باسمه وباسم عائلته الآن وإلى الأبد. ولم يزل الجمهور يستذكر عمليات التجميل (للرئاسة الأبدية) عن طريق الاستفتائين الشهيرين (بلا منافس) اللذين أكدا أنه كان مطلوباً من الشعب كرئيس بنسبة 100%، في حين كان هو يهيئ لواحد من ولديه لتوريثه الرئاسة باعتبار أنهما من الفئة الرئاسية (بالولادة)، وهي الفئة (المبشرة بالجنة). هكذا استحالت مؤسسة رئاسة الجمهورية في العراق من أحلام الزعيم عبد الكريم قاسم بديمقراطية تنتقي الرئيس الأفضل، إلى مؤسسة تهيمن عليها مجموعة أسرية ريفية رعوية واحدة. وصارت هذه العائلة (فوق القانون) لأنها مختلفة عن أبناء الشعب الآخرين على اساس من حكمة السماء والاختيار الإلهي، بينما صار العراقيون مندرجين في مرتبات المواطنة، ولكن تحت طائلة القانون: بين مواطن من الدرجة الثانية وبين مواطن من الدرجة العاشرة، الأمر الذي برر ظهور معارضة وتمرد وجد في عملية خط القرآن الكريم بدم الرئيس نوعاً من الوصاية الأبدية على مؤسسة الرئاسة عبر هذا النوع من الربط بين الكتاب المقدس للإسلام وبين شخص الرئيس.
ولم يزل موضوع اختيار النظام السياسي للعراق مفتوحاً في سياق تبادل الآراء بين الملكيين والجمهوريين ، إذ حاول الشريف علي بن الحسين الدعوة إلى إعادة الملكية الدستورية للعراق. ولكن دعوته لم تلق ما يكفي من الترحيب بالرغم من نشاطه ونشاط مريديه. ويمكن أن يُرد هذا إلى أن أكثر القوى السياسية المتنفذة في عراق اليوم إنما هي من النوع المؤيد للنظام الجمهوري، بدرجة أن بعض ممثليها وصفوا العودة إلى النظام الملكي بأنها لم تعد ممكنة بعد مرور السنوات الطوال على إزالة الملكية، من عام 1958. كما يمكن أن يُرد هذا، من ناحية أخرى، إلى أن الأميركان، أصحاب اليد العليا في عراق ما بعد الاحتلال، إنما هم من الجمهوريين بطبيعة نظامهم السياسي وبطبيعة تفضيلاتهم لأن تكون المناصب القوية سياسياً بأيدِ متغيرة وغير ثابتة، زد على ذلك تحول منصب الرئاسة في العراق إلى قوة سياسية اعتبارية غير مطلقة كما كانت عليه في السابق: فالرئيس اليوم لم يعد الـ(سوبرمان) الذي عهدناه، لأنه واحد من ثلاثة أعضاء في مجلس رئاسي، بينما تكون السطوة السياسية والتنفيذية الأقوى بأيدي رئيس الوزراء الذي يتغير من وقت لآخر حسب معطيات صناديق الاقتراع. لذا يكون تعليق الشيخ غازي الياور على انتخابه نائباً للرئيس بأنه (أعلى درجات الديمقراطية)، حيث أن الرئيس يقبل بالتنازل عن منصبه ليكون (نائباً للرئيس)، تعليقاً مهماً بقدر تعلق الأمر بالتحول من الرئاسة كوصاية (مطلقة)، إلى مؤسسة تحكمها ضوابط الاقتراع، بدلاً عن ضباط ودبابات الصباح الباكر وقراءة البيان الأول. وهكذا تبدأ في تاريخ العراق السياسي الجمهورية الثانية التي تحل محل الجمهورية الأولى، جمهورية الخوف والطائفية والمقابر الجماعية.