ميرون بنبنستي ـ هآرتس
قضية مزبلة كدوميم التي كشف النقاب عنها في هآرتس 4/4 نمّت عنها رائحة نتنة. لا تنحصر فقط بالاثار البيئية لنقل القمامة الاسرائيلية الي قلب السكان الفلسطينيين، بل تجسد التعفن، المزايدة، الازدواجية والنفاق الذي يقوم عليه الحكم الاسرائيلي في المناطق. وتوجه الاهتمام الي الضرر الذي سيلحق بالمدن والقري الفلسطينية وتلويث مياهها الجوفية بل وخرق القانون الدولي الذي يحظر مثل هذه الاعمال في الاراضي المحتلة. ولكن هذا النقد مع كل اهميته يصرف الانتباه عن الامر الاساس بل وربما يمكن التخوف من أن يكون يساهم في اضفاء الشرعية علي منظومة مشوهة وهدامة في أنها تعني بهامش النتانة وليس في لبابها.
فما الامر الاساس؟ ثلاث جهات بلدية اسرائيلية (مجلس كدوميم، مجلس كارنيه شومرون والمجلس الاقليمي شومرون) ـ والتي هي بحد ذاتها جهات غير قانونية حسب القانون الدولي، اقيمت قبل 25 سنة بالآلاعيب التي تتميز بها لغرض اقامة نظام من الضم علي أساس معايير عرقية ـ سيطروا علي اراض سلبت من السكان الفلسطينيين. وبإذن من حكومة اسرائيل وبدعم نشط من محافل عاطفة في السلطة، بدأوا بأعمال اقتصادية تدر لهم ارباح طائلة وهذه تستخدم فيما تستخدم لتمويل نشاطات غير قانونية في اقامة مواقع استيطانية غير مسموح بها وتمويل مظاهرات عنف ضد قرارات قانونية للحكومة وللكنيست.
الي جانب الارباح الاقتصادية فان لمزبلة كدوميم قيمة مضافة سياسية، تفوق حتي القيمة الاقتصادية: هكذا يسيطر المستوطنون علي مناطق مفتوحة و يهودوها . عدد اليهود الذين يسكنون في المستوطنات وتوسيع مساحة البناء فيها كفت عن ان تكون مقياسا مصداقا لنجاح ضم المناطق واحباط اقامة دولة فلسطينية. وبدلا منها يجب نصب مزبلة كدوميم وباقي المشاريع الاقتصادية المشابهة المستنزفة للاراضي، والتي تقام في كل ارجاء الضفة الغربية وغدت الرموز الجديدة للصهيونية علي نمط يشع .
وبينما يتجه كل الاهتمام الي اخلاء المستوطنين من غزة وشمالي الضفة وجاءت قضية مزبلة كدوميم لتجسد كيف ان السيطرة علي الارض كفت عن ان تشكل وسيلة لبناء مستوطنات وغدت أداة مالية ترمي الي تثبيت دولة داخل دولة، لسلب الرحاب الطبيعي للسكان الفلسطينيين واحباط كل فرصة للسلام. زعماء المستوطنين الذين راكموا قوة سياسية واقتصادية، يتسلون بسخرية بمحافل عاجزة في الحكم ويتمتعون في رؤية كيف أن الجميع يبحثون عن معاذير مدحوضة وسخيفة: صحيح أنه صدر إذن، ولكن فقط لقمامة من نوع واحد، سيتيحون ايضا استيعاب قمامة بناء فلسطينية غير نتنة؛ وبالاجمال ماذا يريدون؟ هذا نشاط مبارك لترميم المشهد، وغيرها الكثير من الآلاعيب اللفظية.
المسرحية المأساوية ـ الهزلية هذه تحظي بممثلين كاملي الاوصاف علي شكل دانييلا فايس، رئيس مجلس كدوميم، التي اختارت هذه المرة أن تلعب دورها الرسمي وتهجر للحظة نشاطها التحريضي. فمنذ زمن غير بعيد انقضت بفظاظة علي ضباط الجيش الاسرائيلي الذين اجتمعوا في كدوميم وطردتهم فيما انها الان توزع الرخص حسب صلاحياتها ولا أحد ينفجر بضحك مرير.
ينبغي الاعتراف بأن فايس تساهم بفهم هام. فهي تقول انه في الموضوع البيئي علي النظرة ان تكون من نهر الاردن وحتي البحر الابيض المتوسط. محظور الفصل في موضوع القمامة بين الاسرائيليين وبين الفلسطينيين، اذ ان كل طرف يؤثر علي الطرف الآخر . وهذه اقوال ينبغي لها أن تتحدي من يتخفي خلف الحجة الرسمية لخرق القانون الدولي.
وبالفعل، فان الارض من غربي النهر وحتي البحر الابيض المتوسط هي وحدة بيئية واحدة، تعيش فيها مجموعتان سكانيتان علي ذات مصادر المياه وتتنفسان ذات الهواء. وعلي كل تسوية سياسية أن تأخذ بالحسبان هذه الحقيقة وتجد السبل للتعايش القائم علي اساس العدل التوزيعي والا فسيستمر عدم الاستقرار والعنف.
ولكن ليس هذا ما تقصده فايس وآخرون غيرها. فهي تسعي الي تخليد الوضع القائم، بمعني ان معدل استخدام مصادر البيئة المشتركة سيبقي في مستواه الحالي غير المتساوي علي نحو متطرف: الفلسطينيون، نحو 40 في المئة من سكان الارض ذات الصلة يحصلون علي 8 في المئة من مصادر المياه، 13 في المئة من الارض، وصفر متر من شاطيء السباحة للانسان. ومدخولهم للفرد الواحد (الذي يؤثر جدا علي استهلاك مصادر البيئة) سيبقي في مستوي عُشر الدخل للفرد الواحد الاسرائيلي.
معظم الجمهور متمسك بفكرة أن من حق اسرائيل أن تحتفظ علي نحو شبه احتكاري بمصادر البيئة وان بوسع الفلسطينيين ان يستخدموا فقط الهوامش. واذا ما طالبوا بتوزيع اكثر عدلا، فستستخدم اسرائيل حجج الكارثة البيئية لتثبت بأن المطلب الفلسطيني ليس معقولا ومحمل بالكوارث. مزبلة كدوميم هي خطوة اخري في تثبيت عدم المساواة البيئة ـ السياسية هذه. وكل الاقاويل عن ان الفلسطينيين ايضا سيسمح لهم بأن يلقوا هناك بالقمامة هي ازدواجية متعالية. الاثار السياسية علي المدي البعيد للمزبلة اخطر بكثير من بضعة آلاف آخرين من المستوطنين. فكم من اولئك الذين مست النتانة بأنوفهم الحساسة يفهمون علي نحو غير سليم هذه الاثار ومستعدون للتجند لاحباطها.
*باحث يساري من القدس













التعليقات