غسان تويني : اذا صحّت بشرى اعلان الحكومة الكرامية "الموالية" اليوم (موالية لمَن؟) تكون "الترويكا" التي تسللت الى روما (ربما للتأكد من دفن قداسة البابا!..) وهي تقول انها ستعود بحكومة من وحي رحلتها... ، اذا صحت البشرى، تكون قد ذهبت الترويكا مكلسة العقول والقلوب لا دون قدسية المناسبة وابعاد اجتماع العالم ومغازيه... بل هي عادت "صمٌّ بكمٌ" حتى على رسالة البابا الراحل عن لبنان واليه وعن ارادة الخير للبنانيين كلهم بدون تمييز، في ظل السلام الوطني والميثاق والمحبة والغفران!
اذ ماذا غير ذلك يعني الامعان في النكاية الحاقدة – الحاقدة على الوطن الثائر لا فقط على انتفاضته والمعارضة وعلى ذكرى الشهيد الرفيقّ! – والذهاب في "الفرقة" الى ابعد من تأليف حكومة حزبية (قيل انهم اكتفوا بتحريرها من كبش فداء واحد هو الوزير الرمز للعدالة "الامنية"... الذهاب الى حد التآمر على الاستحقاق الانتخابي الدستوري وتهيئة الظروف والشروط الموضوعية لتأجيله ثم تزوير ارادة الشعب بالتحايل على القوانين والمواثيق، والقرارات الدولية الداعية الى التقيّد بها، والآتي مندوبوها لمراقبة ذلك والتأكد من التقيد به.
مفهوم؟... فلماذا "اللعب بالنارّ"؟
***
ظننا، وأمِلنا – ترى هل كان ذلك منتهى سذاجتنا؟ – ان ترداد وصية يوحنا بولس الثاني الى الپولونيين قد يجعل الترويكا تأخذ بها فتحزم أمرها وتتشجع وتتحرر...
الوصية، نكرر، هي: "تصرّفوا وكأنكم أحرار!..." أي: "ولو لم تكونوا احراراً"، وكانت پولونيا آنذاك رازحة تحت نير الاستعمار السوياتي وعسكره... ومع ذلك ثارت، فلم تتحرر هي فحسب، بل كانت انتفاضتها بداية تحرر اوروبا الشرقية كلها، ثم انهيار الحكم السوياتي داخل الروسيا نفسها، فضلاً عن سقوط جدار برلين وتوحّد المانيا الشرقية مع الغربية وعودة العاصمة واحدة موحدة زاهية القوة الى برلين.
ترى هل "ترويكانا" الطيبة الذكر (التي فاتها ان ترى العلم اللبناني مرفوعاً في مقدم الجماهير في روما وكأنها لا تفرح بذلك!) لم يكفها حتى انسحاب الجيش السوري من الاراضي اللبنانية، وفي رعاية دولية... لم يكفها ذلك لإجلاء (من جلاء!) ما في نفسها من التقيّد، بل الاقبال الغريزي على تسقّط سبل التقيّد بما يسمى "الخط" السوري تتعبده، وتستعبد نفسها له ، تبحث عما كان يمكن ان يرضيه لو كان لا يزال يمارس السيادة... بدل استيحاء المناسبة الرومانية لإحلال الروح الميثاقية في القلوب والمنطق الحواري في العقول... ولو أقلعت دمشق عن الشغف بمثل هذه المحالفات التي صار واضحاً انها هي التي استدرجتها الى السير في "التمديد" المعلوم والتسبب لا فقط بأزمة دستورية، بل بادانة دولية مكررة وتقرير المحاسبة الدولية للمسؤولين عن ذلك... وقد دانتهم التقارير والقرارات قبل اختتام التحقيق الآتي معهم!
إلا اذا كانت "الترويكا" – واذ ذاك ستدفع الثمن الغالي، بل الاغلى – تظن في جهلها وغيّها ان مجرّد صدور قرارات مجلس الأمن، وعلى الأخصّ القرار الأخير ("خلصنا من الـ1559 صرنا بالـ1595"...) هو المنتهى ونهاية مطاف الهبّة الدولية وان قرارات المنظمة الكونية "ذات الصفة التنفيذية" غاية في حد ذاتها، فلن تبذل الأمم المتحدة جهداً في سبيل السير بها عملياً حتى النهاية، أي حتى جلاء "حقيقة" مؤامرة اغتيال الرئيس الحريري ومعاقبة المسؤولين، كل المسؤولين عن ارتكاب "العمل الارهابي" الذي وصفه القرار بالاجرام "الماكر" و"الشنيع". وهو وصف ليس موضوع انشاء ادبي اكاديمي، بل قرار مجلس تتمثل فيه خمس عشرة دولة بينها الخمس الكبرى التي سارعت عواصمها الواحدة بعد الاخرى الى الترحيب بصدوره وتأكيد طلب التقيّد به والتعاون في تنفيذه.
فحذار "الترويكا" الحاكمة سعيداً، وحذار حاكميها اينما كانوا، وحذار اجهزة ما وصفته القرارات بـ"الهرمية الامنية والقضائية"...
حذار الظنّ ان مجرّد اعلان "الاستعداد للتعاون" يغني عن التعاون العملي التنفيذي، أو هو يكفي حيلة للالتفاف على عمل اللجنة وتعطيله... بحجة اننا قد صرنا في عهدة حكومة جديدة ، والمسألة تلك "وراءنا" كما قيل ان التجديد قد كان وراءنا، هو الآخر!
ولا نخالنا في حاجة الى ان نذهب في التحذير الى حد ترداد القول المأثور: "لم تمت، ألم ترَ من مات؟" ومحاكم لاهاي وسجونها حافلة بالارهابيين والمتهمين بالارهاب من "قادة" امنيين الى زعماء عصابات وميليشيات الى... رؤوس حكومات بل دول مثل ميلوسيفيتش!!!
***
... إلا إذا... إلا إذا...
الا اذا كانت عبقرية "الترويكا" الطيبة – أم التعيسة الذكر؟ – ذهبت بها الى حد الظنّ ان في وسعها (بعملية ابتزاز دولي معروف نهجه) "توظيف" تقبّل الرئيس الأسد لمصافحة الرئيس الاسرائيلي له لم يكن كمجرد حدث بروتوكولي بل كمبادرة سلام تُكسب اتباع "الخط السوري" صدقية دولية وتفتح لهم ابواب النعيم الاميركي... واستطراداً تؤهل دمشق من جديد لتولي حراسة الاستقرار في لبنانٍ منقسمٍ على نفسه.
كل شيء ممكن؟
ربما، كل شيء الا هذا... لأن مراقبي الاستراتيجيا الاسرائيلية – وخصوصاً من البعد الاوروبي – يعرفون ان شارون ومتطرفيه الداعين الآن بالذات الى اقتحام المسجد الاقصى في القدس يقودون اسرائيل والمصير الصهيوني وربما المنطقة بكاملها "عكس سير" السلام. والمستشهدون الفلسطينيون الثلاثة، في مخيم رفح، من يومين، يشهد اغتيالهم بذلك.
***
فإلى "الترويكا" هذه الكلمة الاخيرة:
كفاكِ احراجاً لدمشق بخزعبلاتك الدستورية... واتركيها حرة في المساهمة اذا ومتى هي شاءت، وحرة في التحذير من سلامٍ لبناني منفرد مع اسرائيل. هي تعرف متى تهوّل ومتى يصير ينقلب عليها التهويل!... فلا تزجّيها أنت، أيتها "الترويكا" التعيسة، في مأزق هي في غنى عنه ولا تثقلي كاهلها باعباءٍ لا نظنّها تبحث عن مثلها الآن، فظروفها حرجة الى حد فيه الكفاية. فكفى.
مصلحة سوريا الآن هي في الخروج من عزلتها الدولية، ومصلحة لبنان أن تخرج سوريا متحررة من هذه العزلة الى منتدى الشرعية الدوليةـ، وأول الطريق هو استقامة الشرعية اللبنانية عبر انتخابات حرّة نزيهة، مكتملة الدستورية، تعيد إلى اللبنانيين وفاقهم الداخلي ووفاقهم مع سوريا التي يراقبها العالم... عالم نرجو ألا تفقده الحكومة الكرامية الثقة بلبنان والحدب عليه.














التعليقات