أحداث غير مسبوقة تمر بالعراق:

1- رئيس حكومة يتم انتخابه مباشرة من الشعب!

2- رئيس دولة لا يحصل في الانتخابات العامة على نسبة التسعة والتسعين في المئة الشهيرة عربيا!

3- رئيس دولة يغادر كرسي الرئاسة بإرادة شعبية ليصبح نائباً لرئيس جديد!

4- حكومة منتخبة شعبياً بطريق غير مباشر.

5- رئيس غير عربي لدولة عربية!

حقاً، إن عجائب الدنيا لا تنقضي، وأين؟ في العراق القومي حتى النخاع، والفضل كل الفضل، يرجع لرئيس الولايات المتحدة الأميركية ومعه بريطانيا. والعراق منذ تحريره من حكم الطاغية صدام حسين انتشرت به صحف ومجلات لا حصر لها، وهو خالٍ تماماً من أي رقابة إعلامية حيث لا وجود لوزارة إعلام، وهو أمر لم يحدث حتى في لبنان "أم" الديمقراطية عربياً. والسؤال: هل ستنتقل عدوى الديمقراطية إلى الدول المجاورة؟ والإجابة كأستاذ في العلوم السياسية: كلا، لن تنتقل العدوى لسبب بسيط، وهو أن الدول المجاورة أشبه ما تكون بالجزر المعزولة، المحصنة تماماً بالأسوار والأسلاك الشائكة، بل إن هناك جدراناً عازلة لا يُعد الجدار الإسرائيلي في الضفة الغربية شيئاً، أمامها.

أتدرون لماذا؟ لأن الديمقراطية حالة عقلية قبل أن تكون مادية على الأرض. فالإنسان العربي قبل الأنظمة السياسية، ليس فقط كونه لا يفهم الديمقراطية، بل إنه يرفضها في حقيقة الأمر، إذا أخذنا بعين الاعتبار المفهوم الحقيقي للديمقراطية بعيداً عن المعنى التقليدي القديم القاضي بوجود دستور ونظام فصل بين السلطات والذي هو من لوازم نظام الحكم الديمقراطي.

الإنسان العربي لا يميل كثيراً إلى الحزبية السياسية باعتبارها عاملاً يفرّق ولا يوحّد، فالتجربة الحزبية العربية، تجربة تعيسة حتى النخاع. وانعدام الرقابة أمر غير مألوف بالنسبة له، فهو لا يقبل أن يفكر الإنسان كما يشاء بصوت مسموع، وأن يعبّر عن رأيه في موضوعات الدين، وأما انتشار الصحف، فالتجربة اللبنانية لا يزال يتمسك بها البعض كعنصر مدمر للمجتمع. الإنسان العربي لا يستطيع أن يعيش بدون "استبداد" في حياته الخاصة كزوج وأب ورئيس أو وزير. ولذلك فإن ما يحدث في العراق أمر غير مألوف للعقلية العربية التي اعتادت الاستبداد حتى ألفته، بل إن العراقيين أنفسهم لن يتعدوا في عراقهم الجديد قشرة الديمقراطية، وستعود العقلية العشائرية وأسلوب الأهل والغنيمة في المناصب الحكومية إن لم تكن قد بدأت من الآن؟!

العراق الجديد سيكون عراقا وحده، ولن يمتد عبر الحدود الجغرافية، بل من المشكوك فيه أن يكون العراقيون أنفسهم متبنين للديمقراطية كأسلوب حياة، وحتماً سيحتاجون وقتاً طويلاً حتى يعتادوا الديمقراطية بصورتها الحالية. لكن الصورة الجميلة في هذا كله أن ما يحصل الآن هو مستقبل الأجيال القادمة التي سيتم "تعليمها" المواطنة الحقة، ومعاني الدستورية ودولة القانون وحقوق الإنسان وحرياته. الجيل القادم هو الرابح من العملية القائمة الآن، ذلك هو العراق الجديد. أما العراق القائم الآن فهو عراق مرقّع مشتت فكرياً، لأنه ليس من السهل إزالة خمسين عاماً من الفكر القومي، فضلاً عن صعوبة التخلص ممن تشربوا من هذا الفكر، وسريان فعالياتهم في مؤسسات وكيان الدولة العراقية.

العراق الجديد القادم هو عراق خاص بالعراقيين وحدهم، لكن إذا نظرنا الآن إلى الخريطة العربية في لبنان ومصر والسعودية، يمكننا القول بيسر وثقة إن المستقبل للشعوب مسنودة بالقرارات الدولية والإصرار الأميركي والأوروبي بإزالة كل أشكال الطغيان في العالم، ومن المعلوم بالضرورة أنه لم يبق سوى كوريا الشمالية وعالمنا العربي!.