يبدو اللبنانيون مولعين, كالفرنسيين، باطلاق التسميات على جمهورياتهم فيؤرخون لولادتها ويجعلون كلاً منها في نسق زمني تراتبي لحظة انتقالهم من مفصل تاريخي الى آخر من حياتهم السياسية والوطنية. ففي عام 1943 كانت ولادة الجمهورية الاولى (عاشت 52 عاماً) سجل فيها اللبنانيون «نجاحا» ملحوظا في انتقالهم من دويلات الطوائف الى دولة الطوائف, او بتعبير اصح الى نظام فيديرالي طوائفي على خلفية تسوية بين اطراف الداخل والخارج اصطلح على تسميتها آنذاك بـ»الميثاق الوطني» كانت اول عقد اجتماعي غير مكتوب بين اللبنانيــين.

في تلك المرحلة اثبت النظام اللبناني عجزا فاضحا في فهمه واستيعابه لفكرة الاستقلال, فوقف عند حدود استقلال الدولة من دون ان يتعداه الى بناء دولة الاستقلال بكل ابعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما اوقع لبنان تحت اعباء التراكمات التاريخية الموروثة والتناقضات الاجتماعية الحادة وانتعاش العصبيات الطائفية والمذهبية التي كانت بمثابة صواعق موقوتة في صلب الميثاق سرعان ما انفجرت في حربين طائفيتين عامي 1958 و1975.

امام هذا المشهد المأسوي الذي انتهت اليه الجمهورية الاولى كان اللبنانيون يتلمسون ولادة الجمهورية الثانية التي ابصرت النور خارج اراضيها والتي ارخ لها اتفاق الطائف عام 1989 ليصبح دستورا للبنان الجديد الواحد الموحد ارضا وشعبا ومؤسسات ووطنا نــهائــيا لــكل ابنــائه.

تعود اللبنانيون ان يبنوا آمالا كبيرة عند نهاية كل فصل مأسوي من تاريخهم السياسي والوطني فراهنوا هذه المرة على «الطائف» وتوسموا فيه خيرا وخاتمة لاحزانهم وانقساماتهم ونسيان ماعلق في نفوسهم من موروثات الحقب السوداء. ولعله من نافلة القول تذكير اللبنانيين بما جاء في اتفاق الطائف بعد ان اصبحوا اكثر الماما به وبأسراره وخفاياه، ربما، اكثر من اهله وصناعه لشدة تداوله هذه الايام وترديده على مسامعهم في وسائل الاعلام وعلى السنة من هم في الحكم وخارجه.

ومهما قيل في انجازات الجمهورية الثانية واخفاقاتها داخليا وخارجيا, فان «الطائف» الذي بنيت على اساسه هذه الجمهورية ما زال حتى اللحظة «وفاق الضرورة» والخيط الرفيع الذي يصر اللبنانيون بمختلف اطيافهم السياسية والطائفية والمذهبية على التمسك به ويرون فيه خشبة الخلاص للخروج من تداعيات الزلزال الكبير الذي احدثه اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

واليوم ثمة من يعتقد ازاء ما يشهده لبنان من انقسامات حادة بين الاطراف السياسية، الموالاة من جهة والمعارضة من جهة ثانية، والتسابق المحموم في تجييش المشاعر وانحدار السجال السياسي الى مستوى غير مسبوق من الاسفاف والتحريض والفراغ الحكومي الناجم عن الغياب شبه الكامل للسلطة وفقدان صدقية الحكم على الصعيدين اللبناني والدولي، كل ذلك ينبئ عن بشائر لمخاض وطني يعيشه لبنان ساعة بساعة الى حين موعد الانتخابات العتيدة التي ستكون في حال اجرائها، الاستحقاق الوطني الابرز.

ومن دلائل هذه المرحلة في المدى المنظور والتي ان اقتصرت على استعادة الطائف ونفض الغبار عن كل بنوده واعادة الحياة الطبيعية اليه فهذا في حد ذاته انجاز كبير لا يقل بدلالاته العميقة اهمية عن ولادته الاولى التي تعرضت للتشويه والعبث والاستنساب وتغييب الوجه المشرق فيها. ويقينا ان مثل هذه العودة تستحق ان تكون عنوانا لثورة بيضاء سيان بقيت في احضان الجمهورية الثانية او انتقلت الى رحاب الجمهورية الثالثة.

* كاتب لبناني مقيم في مونتريال