قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ـ نقلها عن الفرنسيّة بسّام حجّار

"كلّ شيء باطلٌ إذا لم يشأ المرءُ أن يفتحَ الباب"

مثل كنزٍ مخبوء، عُثِرَ على 95 رسالة كتبها آلدو مورو خلال فترة اختطافه في مخبأ لتنظيم "الألوية الحمر" (اليساري المتطرف الإيطالي). عمدت منشورات تالاندييه الفرنسيّة إلى جمعها وتبويبها ونشرها في كتاب صدر في باريس في 15 نيسان الجاري. مجلّة "لوفيغارو ماغازين" الأسبوعية (9 آذار 2005)، استبقت صدور الكتاب بنشرها عدداً من هذه الرسائل/ الشهادات.

في 16 آذار 1978، تختطف "الألوية الحمر" زعيم "الديموقراطيّة المسيحيّة" لغرض المساومة على الإفراج عن بعض "سجنائها السياسيين". طوال خمسة وخمسين يوماً، وفيما يستبدّ القلق بإيطاليا، يخضع آلدو مورو إلى ما يشبه المحاكمة، ويصدر الحكم عليه بالموت، ويُقتَل. في 9 أيار يُعثَر على جثّته في صندوق سيّارة رينو 4 ، في روما، في شارع كايتاني، عند منتصف الطريق الممتدّة بين مقرّ "الديموقراطيّة المسيحيّة" ومقرّ الحزب الشيوعي. كان هذا الأستاذ الجامعي، المتبصّر، البارع في لعبِ دور الوسيط، قد تمكّن للتوّ من فرض "تسوية تاريخيّة" مع الشيوعيين. فليس مُستهجناً إذاً أن يكون توحّش الإرهابيين، وتصلّب الحكومة، وعجز المحقّقين، والتورّط الملتبس للأجهزة السريّة والمافيا، قد أثار ذلك القدر من الاستنكار الذي ما زالَ قائماً إلى اليوم. في سجنِه الذي أطلق عليه المختطفون اسم "سجن الشعب"، كتب مورو رسائلَ إلى أسرتِه، إلى أصدقائه، إلى رفاق دربِه، إلى زملائه. كما كتب رسائل إلى البابا بولس السادس. بعض هذه الرسائل وصل إلى أصحابِه، وبعضها نُشِر في الصحافة. أمّا البعض الآخر فسيبقى "كلاماً منسياً" مخفياً في مخبأ سرّي في الشقّة القائمة في شارع مونتي نيفيسو، بمدينة ميلانو، حيث كان محتجزاً.
في مطلع أيلول عام 1978، يهتدي رجال الشرطة إلى الشقّة. ويعثرون فيها على ثماني وعشرين رسالة، وأجزاء من "مذكّرات" مورو، وهي عبارة عن جردة شخصيّة وسياسيّة دبّجت بطلبٍ من سجّانيه بغية استكمال استجوابه. بمضيّ اثني عشر عاماً، لم تعد الشقّة المذكورة تحت أمر التحفّظ (القضائي)، فيقرّر مالكها أن يجري عليها بعض الإصلاحات. أثناء أعمال الترميم والتجديد، يعثر أحد العمّال، في 9 تشرين الأول 1990، على مخبأ سرّي لا يحجبه سوى لوح خشبٍ مثبّت بأربعة مسامير (لم يُعثَر عليه خلال تفتيش المكان عام 1978,.). واتضح أنه يحتوي على بندقية رشّاشة، وعلبة صواعق، ومسدّس مع ذخائره؛ بالإضافة إلى جرابٍ يحتوي على 60 مليون لير إيطالي وعلى إضبارة كرتون...
تبيّن أنّ الوثائق التي عُثِرَ عليها في شارع مونتي نيفيسو هي مجموعة من النصوص المطبوعة على الآلة الكاتبة ونسخٌ عن أوراق أصليّة لم يتمّ العثور عليها. كثير من الغموض يحيط بالتحقيقات والاستقصاءات التي أجريت حول اغتيال آلدو مورو. إذ لم يُعثَر إلى اليوم، على سبيل المثال، على محاضر التحقيقات التي أجريت معه والتي يعلم الجميع أن أعضاء الألوية الحمر قد دوّنوها بعناية انطلاقاً من تسجيلات بقيت هي الأخرى مفقودة. نظراً للشوائب المهمّة (في التحقيق والاستقصاء)، والتأجيل المتعمّد لإعلان بعض النصوص، والطابع المنقوص لبعض هذه النصوص، كان من البديهيّ أن يفترض الناس وجودَ وثائق أصلية محفوظة بعيداً عن متناول الأعين الفضولية. أين؟ ومن قبل مَن؟ ولأي غرض؟ أسئلة ما زالت إلى اليوم من دون إجابة. أسئلة لم تسلّط عليها الضوء خمس محاكمات متتالية أجريت بهذا الشأن. في 9 أيار 2004، أي بمضيّ 24 عاماً على العثور على آلدو مورو جثّةً هامدة، أعلن جياني ليتّا، مساعد وزير الدولة لشؤون رئاسة مجلس الوزراء، رفع "الطابع السرّي" عن المحفوظات. لذا من المؤمّل أن يُتاح الإطلاع على هذه الوثائق التي تنتظر منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن أن تصبح علنيّة وفي متناول الناس. ومع ذلك تبقى قضيّة مورو أشبه بالمحرّم. لأنّها تنطوي على مساءلة لعدد كبير من الناس.
***

في 27 آذار 1978 وتحت مراقبة مشدّدة من قبل الخاطفين، يكتب آلدو مورو رسالة إلى أليونورا، زوجته.

نوريتا الحبيبة،
أشياء كثيرة أودّ أن أقولها لك، ولكنني سأكتفي بالجوهريّ منها. أنا هنا في صحّة جيّدة بفضل المعاملة الإنسانية، وكذلك الرعاية الحسنة، اللتين أحظى بهما. الطعام وفير وصحّي (ازداد قليلاً معدّل تناولي المعجّنات)، كما لا أعاني نقصاً في العقاقير التي أحتاجها. تعلمين كم أنا مشتاق إليكم جميعاً وكيف أقضي ساعات وساعاتٍ أتخيّلكم، وألاقيكم، وألمسكم. أرجو أن أكون حاضراً ولو في خاطرةٍ من خواطركم أنتم أيضاً، ورجائي ألاّ يكون ذلك مبعثاً لأساكم. هذه هي المرّة الأولى، منذ ثلاثة وثلاثين عاماً، التي لا نكون فيها معاً لنعيّد أحد الفصح، وفي غضون أيام قليلة، في احتفال ذكرى زواجنا الثالثة والثلاثين سيكون أحدنا بعيداً عن الآخر. أذكر كنيسة مونتيمارشيانو الصغيرة، وحفل الاستقبال المتواضع الذي أقمناه لأصدقائنا الفلاّحين. ولكن عندما نخلّ على هذا النحوِ بسياق هذه الأمور، فإنّ هذه الأمور، برغم بساطتها، تشعّ كأنّها ذهب العالم كلّه. فيما يعنيني أنا، لست في وارد التوقّع أو رسم خطط للمستقبل، لكنني أضع ثقتي كاملةً في الربّ الذي، على مرّ الاختبارات الصعبة التي عشتها، أبداً لم يخذلني. أحسب أنّ آخرين غارقون في الألم. أحسب ذلك، غير أنني لا أودّ أن أسلكَ قُدُماً دربَ القنوط. امتناني ومحبّتي لجميع الذين أحبّوني وما زالوا، بصرف النظر عمّا إذا كنت أستحقّ حبّهم ولا فضل لي به، اللهمّ إلاّ من خلال قدرتي على مبادلة حبّ بحبّ. لا أدري كيف ستفعلين ذلك، ولكن طيّبي الذكْرَ إذا أتى ذِكرٌ لي على مسمع الجَدّة. فكيف لها أن تتفهّم غيبَتي؟
***

في 31 آذار. يكتب آلدو مورو، المختطف منذ خمسة عشر يوماً، رسالةً إلى السكرتير القومي للديموقراطيّة المسيحيّة، بينينيو زاكانييني. ومن خلاله يخاطب تلك المجموعة من زعماء الحزب التي أكّدت عشيّة ذلك اليوم رفضها أي تفاوض مع الخاطفين: منتهجين بذلك خطّ التصلّب والحزم. كما يأتي من جهة أخرى على ذكر الحزب الشيوعي وأمينه العام، أنريكو برلنغوير، الذي كان توصّل معه إلى "التسوية التاريخيّة".
عزيزي زاكانييني،
عبر رسالتي إليك، إنما أخاطب أيضاً بيكولي وبارتولومي وغالوني وغاسباري وفانفاني وأندريوتي وكوسيغا: كلّ الذين أدعوك لأن تتحمّل المسؤوليات معهم، والتي هي مسؤوليات فردية وجماعيّة في آن معاً. أتحدّث في المقام الأول عن الديموقراطية المسيحيّة التي توجّه إليها الاتهاماتٍ والتي أدفع ثمنها أنا وحدي، والثمن هو الحكم عليّ بالموت. لا شكّ في أنّ أحزاباً أخرى معنية بالمسألة هي أيضاً، غير أنّ قضيّة ضمير بمثل هذه الفظاعة إنما تعني أولاً حزب "الديموقراطية المسيحيّة" الذي يتوجّب عليه أن يخرج من جموده، مهما قال، أو مهما قد يقول في الوقت الراهن، الآخرون. أتحدّث في المقام الأول عن الحزب الشيوعي الذي لا يُعقَل أن ينسى أنّ اختطافي المفاجئ، لغرض مقايضتي بسجناء، قد جرى فيما كنّا متوجّهين إلى مجلس النواب للتصديق على الحكومة التي سعيت إلى تشكيلها بعد الجهد الجهيد. وأذكر أنّ برلينغوير قد صرّح بأن ردّ فعل الألوية الحمر قد يكون في ذروة حدّته إذا ما أبرم الاتفاق. وهذا ما جرى، وها إنّي أدفع الثمن.
غير أنّ من واجبي، في استعراضي الموقف المؤسف الذي أجدني فيه، أن أذكّر بالتحفّظ الكبير والمتمادي والمبرّر الذي أبديته حيال الاضطلاع بالمسؤولية التي عرضتها عليّ (مسؤولية رئاسة الديموقراطيّة المسيحيّة) والتي تنتزعني اليوم من كنفِ أسرتي، في الوقت الذي هي فيه بأمسّ الحاجة إليّ. معنوياً، أنتَ هو الموجود في مكاني، هنا حيث الآن أنا موجود مادياً. وفي الختام إنّه لمن واجبي أن أضيف أنّه لو لم تكن المواكبة التي ترافقني، في تلك اللحظة الدقيقة، ولأسبابٍ إدارية، أقلّ بكثير مما تتطلّبه الظروف التي نمرّ بها حقاً، ربّما لما وجدت نفسي حيث أنا الآن.
ما سبق، كلّه، هو ماضٍ. أمّا في الوقت الحاضر، فإني أخضع لمحاكمة سياسيّة عنيفة، صدر الحكمُ المسبق عنها بأنني مذنب. إني رهينة، جعلها قراركم المباغت بوضع حدّ نهائي لأي نقاش حول تبادل السجناء رهينةً مُربكةً لا نفعَ منها. الوقت يمضي بسرعة ولا متّسعَ فيه، للأسف الشديد. في كلّ لحظة تمرّ قد يكون فات الأوان. إنّ فحوى النقاش هنا تكمن في تساؤل لا ينبع من نطاق القانون المجرّد بل من نطاق السانحة الإنسانيّة والسياسيّة: ألا يمكن القبول بتبادل من شأنه إنقاذ أرواح بريئة كما من شأنه، عبر إبعاد عدد من الأشخاص عن الأراضي الإيطالية، الحدّ من التوتّر والعودة بالشرط الخاص لظاهرة سياسيّة إلى نصابه ؟ قد يبدو الرفض أكثر مواءمة للظرف المذكور؛ ومع ذلك فإنّ التنازل ليس أعدل وحسب، بل هو الأجدى سياسياً. وكما ذكّرتُ مراراً أقول إنّه على هذا النحو المتمدّن تنحو الكثير من الدول. دول أخرى لا تملك الشجاعة للقيام بذلك؟ على "الديموقراطية المسيحيّة" أن تتخذ القرار! إذ تتيح لها حساسيّتها أن تجد الحلول التي تمكّنها من مواجهة أشدّ المواقف صعوبة. وإذا كان للمخرج أن يكون مختلفاً فإنما ذلك لأنكم أردتموه، وحينئذٍ، وأقولها بلا ضغينة، سيقع وِزر دمي على الحزب وعلى الأشخاص. وبعد ذلك تنطلق دوّامة أخرى أشدّ فظاعة وكسابقتها من دون مخرج.
أصدقائي الأعزّاء، مصيري بين أيديكم. وليلهمكم ربّ السماوات ـ من دون إبطاء؛ فالحاجة ملحّة.
لكم منّي آيات المودّة.
***

في 15 آذار، توزّع الألوية الحمر بياناً تعلن فيه فراغها من استجواب السجين والحكم عليه بالموت. عندئذ يوجّه مورو رسالة وداع إلى جميع أفراد أسرته. زوجته، بناته، ابنه، وحفيده لوكا...

لوكا الحبيب،
لا أدري متى ستُقرأ عليك، قراءة مصحوبة بشرحٍ لبعض الأمور، رسالتي هذه التي يرسلها إليك من كنتَ تسمّيه "جدّو". فإذ ذاك تكون الصورة قد بهُتَت من دون شكّ. جدّ الخوذة، وجدّ الشطرنج، وجدّ رجال الإطفاء في ساحة أسبانيا، وملابس مصارع الثيران، وطبول الصفيح. إنّه الجدّ، ولعلّك تذكر، الذي كان يحتضنك بين ذراعيه كما لو كنتَ قدس الأقداس، والذي كان حريصاً على مواقيت حملك إلى المبولة، والذي كان يرتّب بعناية أغطية سريرك، ويُعينك على النوم وقد ارتسمت على ثغرك ابتسامة عريضة، ابتسامة كان يحبّها، ويعود تكراراً لكي يتأمّل فيها أثناء نومك. الجدّ الذي كان يُلبِسُكَ المبذل عند الصباح، ويناولك البيتزا، والذي كان يُجلِسُكَ على ركبتيه لكي يُطعِمَك. الآن، جدّك بعيد بعضَ الشيء، غير أنّ بعده هذا لن يحول دون احتضانه إيّاكَ بالفكرِ وضمّك إلى صدره، ودون اعتباره أنّك أثمن ما في الحياةِ التي أعطيت له _ لكي تؤخذَ منه بعد ذلك على نحوٍ بائس. لوكا الصغير، لوكا الحبيب، إلى جانبِ جدّك الغائب الآن، كثيرون هم من يحبّونك. وأنت تحيا، وتنام محاطاً بهذا الحبّ كلّه. ابقَ، كما أنتَ، مهذّباً صالحاً منظّماً حريصاً على الآخرين. وابقَ إلى جانب أبيك وأمك وجدّتك الحبيبة، التي تحتاج إليك اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى. وعندما يأتي الصيف، اذهب إلى الشاطئ راكضاً حافيَ القدمين! وعند المساء، لدى تلاوة صلواتك لا تنسَ أن تطلب من يسوع أن يُبارك هؤلاء جميعاً، وخاصّة جدّك، الذي يحتاج إلى مباركته أكثر من أي وقت مضى. وليباركك ربّ السماوات أنتَ أيضاً، وليبارك وجهك الحبيب، وشعرك الأشقر الذي أداعبه من بعيد، بغامرِ حبّي. جدّك آلدو يقبّلك بقوّة.
***

تؤجّل الألوية الحمر تنفيذ حكم الإعدام. ويُسمح لآلدو مورو أن يكتب رسالة يناشد فيها البابا.

إلى قداسة بولس السادس
حاضرة الفاتيكان
في هذه الأوقات العصيبة، أجيز لنفسي، وبكثير من الاحترام والرجاء العميق، بأن أناشد قداستك: باسم السلطة المعنوية السامية التي تمثّلها مهتدياً بمشاعر مسيحيّة إنسانية، أناشدك التدخّل لدى السلطات الحكومية الإيطالية المختصّة، لكي يتمّ السعي وراء حلّ عادلٍ لمسألة تبادل السجناء السياسيين، ولكي أعود إلى عائلتي التي هي بأمسّ الحاجة، وللضرورات القصوى، لأن أكون حاضراً معها وسنداً لها. قداستك، هو الوحيد القادر على مواجهة مقتضيات الدولة، التي يمكن تفهّمها على ضوء المنطق الخاص بها، بحجج الأخلاق والحقّ في الحياة.
مع امتناني البالغ ورجائي واحترامي المخلص.
المخلص لك، آلدو مورو.
***

تصل هذه الرسالة إلى الجهة المعنية بها في ليل العشرين من شهر آذار 1978. ويهمّ الحبر الأعظم بنقلِ فحواها إلى رئيس الجمهورية الإيطالية، غير أنّ اتصالات شخصيّة برئيس مجلس الوزراء، جوليو أندريوتي، تحول دون ذلك. ويكتفي بولس السادس بتدبيج نداء موجّه "إلى رجال الألوية الحمر" يناشدهم فيه "ساجداً" إطلاق سراح "مورو من دون قيد أو شرط"، بحسب ما أوصى به أندريوتي.
في 20 نيسان، ثمّ في 24 نيسان، يوجّه آلدو مورو مجدداً رسالةً إلى السكرتير القومي للديموقراطيّة المسيحيّة، زاكانييني. وقد أُرفِق برسالته الأخيرة بيان للألوية الحمر يطالب بإطلاق سراح ثلاثة عشر منضوياً تحت لوائها مقابل الإفراج عنه...

المسألة، على المستوى السياسي، ليست مسألة شفقةٍ إنسانية، وإن كان لا ضير من الرأفة على نحوٍ خاص، بل هي مسألة تبادل بضعة أسرى حرب (أسرى حرب عصابات أو أسرى حرب، لا فرق)، على غرار ما يحدث عندما يكون هناك حرب، وكما يحدث في البلدان التي بلغت درجةً عالية من التمدّن (في العالم أجمع، على وجه التقريب)، حيث يُعمَدُ إلى مبادلات ليس فقط لأسبابٍ إنسانية موضوعية، بل أيضاً لإنقاذ الأرواح البشرية البريئة. لم تُعتَمَدُ قواعد مغايرة في إيطاليا؟ ألأجل القوى الشيوعيّة التي انخرطت في اللعبة والتي كان سيتعيّن عليها أن تأخذ بعين الاعتبار جميع هذه المشكلات، والمُرغمة أيضاً على مواجهة موقف الاشتراكيين المتسمِ بقدر أكبر من التعاطي الإنساني؟
أودّ أن أتوقّف لبعض الوقت هنا لكي أعقد مقارنةً بين أوجه الخير التي نحن بصددها: من جهة هناك خسارة ليست من الخسائر التي لا يمكن تعويضها، وإن تطلّب استردادها ثمناً باهظاً ـ فما هو على المحكّ هنا هو الحريّة؛ ومن الجهة الأخرى، خسارة يمكن تعويضها: فما هو على المحكّ هنا هو الحياة. فأي معنى للعدالة، وأي شرعةٍ للمِثلِ جرى التذرّع بها قد أتاحت للدولة، بما برهنت عنه من شلل وخبث وانعدام الحسّ التاريخي لديها، أن تقبل، لأجل حرية عقدت العزم على رفضها، أن تقبل إذاً، وكأنّ الأمر تحصيل حاصل، أخطر أحكام الإعدام التي لا يمكن الرجوع عنها؟ هذه نقطة جوهرية? فبهذه الطريقة يعودون مجدداً إلى تطبيق عقوبة الإعدام، تلك العقوبة التي عمد بلد متمدّن مثل بلدنا إلى استبعادها ورفضها منذ عهد بيكاريا كما انتزعها من قوانيننا لحقبة ما بعد الحرب بوصفها العلامة الأولى لصدقيّة مسيرتنا الديموقراطية المستعادة. فبفعل شللها، ومواقفها المتراجعة، باسم منطق الدولة، تُصدِر منظومة الدولة حكماً بالإعدام، وذلك، إذا نحّينا التوهّم والأفكار المسبقة، لأنّ هناك حالة اعتقال، تكتسب الأولوية، وينبغي حمايتها. إنّها كبيرة من الكبائر. تفترض مواجهتها بادرة شجاعة، لا ترضخ للتأثير من أي جهة أتى التأثير. أنتَ يا زاكانييني، لقد انتخبك المؤتمر. ولا يقدر أحد على انتقاد قراراتك وأفعالك. قولك هو الحاسم. فارفض الشكوك، ولا تتردّد، لا تستسلم! برهِن عن جرأة وعن صفاء كما كنتَ في عهد شبابك!
أمّا أنا، فأكرّر بأنني لا أقبل بالقرار الجائر والجاحد الذي صدر عن الديموقراطية المسيحيّة. وأكرّر: ليس في نيتي أن أحلّ أحداً من ذنبه أو أن أبرّر صنيع أحد. ما من سبب سياسي أو أخلاقي قد يرغمني على ذلك. إلى صراخي ينضمّ صراخ عائلتي المصابة في مقتل، والتي أرجو أن تتمكّن من التعبير عن نفسها بحرية واستقلالية. ولا تحسَبَنَّ الديموقراطية المسيحية أنّها حلّت المشكلة بتصفية مورو. إني باقٍ ها هنا، مرجعاً عنيداً للاعتراض وللنهج البديل، للحيلولة دون تحويل الديموقراطية إلى ما آلت إليه اليوم.
لهذا، وبسبب التنافر البديهيّ، أوصي بأن لا يشارك في جنازتي لا سلطات الدولة ولا أي شخصيّة من شخصيّات الحزب. وأوصي بأن يسير وراء نعشي فقط تلك القلّة، القليلة، ممن أحبوني حقا ويستحقّون بالتالي أن يشيّعوني بصلواتهم وحبّهم.
مع المودّة.
آلدو مورو.
ملاحظة: أتحدّاكم بأن تتخذوا قرارات خارج هيئات الحزب المختصّة.
***

اليوم الأربعون، رهنَ الاحتجاز. لقد أثار بيان الألوية بشأن تبادل السجناء إجماعاً في ردود الفعل: كلّ القوى السياسيّة، بما في ذلك الحزب الاشتراكي، تجمع على رفض الابتزاز. يكتب آلدو مورو رسالة إلى أليونورا، لن تبلغها...

نوريتا، حبيبتي الرقيقة،
أعتقد أن هذه الرسالة هي حقاً الأخيرة. لأسباب غامضة، يبدو لي أنه ممنوع عليّ الأمل. لا أحد يدري، ولا يبلغنا خبرٌ، ولو تلميحاً، عمّا يجري، وعمّا آلت إليه مختلف المبادرات التي جرى الحديث عنها في وقت ما. ألا يستطيع البابا أن يفعل شيئاً، ولو تظاهراً، في هذه الحالة؟ لماذا؟ كان لنا أصدقاء كثر، حشد من الأصدقاء. إلى يومنا هذالم يرتفع صوتٌ واحدٌ، على ما أعلم. من قِبلكِ أنتِ بلغتني رسالة واحدة هي الرسالة التي نشرت في صحيفة:(Giorno) وددتُ لو أحفظها بجوار قلبي، لكي تؤنسني لحظة موتي. لكنها فُقِدَت خلال تنظيف الزنزانة. وبرغم سؤالي المتكرّر لم يبلغني شيء آخر. حتّى راودني الشعور بأنني اقترفتُ ذنباً ما، معيباً. غير أنّ الأمر لا يعدو كونه أوالية تلقائية، فعلى هذا النحو ينبغي للأمور أن تكون. ولا بدّ أنهم نصحوكِ (منعوك) ألاّ تبدي احتجاجاً، زاعمين أنّ احتجاجك لن يُجدي نفعاً؛ سوى أن احتجاجك كان ليبرهن لهم أنّ ثمّة من لا يزال يحبّني. ببرودة تامّة تقرّر كلّ شيء.
اجعليني عابراً في خاطرك، أرجوك. مزاجي كئيب وأشعر بأنني مشوّش بعض الشيء. أعتقد انه لن يكون يسيراً عليّ أن أتعلّم كيف أنظر وكيف أتحدّث إلى الله وإلى من كانوا أعزّاء على قلبي. ولكن لم يبق لي أن أرجو أمراً آخر؟ أحياناً أمعن التفكير في الخيارات التي تبنيّتها فأجد أنني أخطأت مراراً؛ كما أمعن التفكير في الخيارات التي لم يستحقّها آخرون. ثمّ أقول في سرّي إنّ الأمر سيّان، لأننا نرضخ جميعاً لتصاريف القدر. وعندما تأتي ساعة الرحيل عن كلّ شيء، يبقى الحبّ، الحب الكبير، الحب العظيم الذي أكنّه لك ولثمرات السعادة التي كانت قسمتنا، السعادة الهائلةً، التي لا تصدّق، المستحيلة.
***

فليبقَ شيء من كلّ هذا. أقبلك بقوّة يا نوريتايَ. وقد أموت مغتبطاً لو لاحت لي علامة على حضورك. إنّي موقن من وجودها، ولكن ما أبهى أن أبصرها بعينيّ!
ليباركك الله، وليبارككم جميعاً.

بمضيّ بضعة أيام يوصيها ألاّ "ترمي ملابسه. تصرّفي كأنني ما زلت هنا، ولا تشغلي بالك بالضريح...".
في 5 أيار تعلن الألوية الحمر: "ننهي المعركة التي بدأناها في 16 آذار بتنفيذ الحكم الذي صدر في حقّ آلدو مورو".

نوريتا، يا عَذْبَتي
عقب لحظة من التفاؤل المتمادي، لعلّه وليد سوء فهمٍ لما أنا فيه ـ لم أفهم جيّداً ما كان يُقال لي ـ وصلنا، الآن، على ما أعتقد، إلى لحظة الختام. لا يبدو لي من اللائق خوضي في نقاش هذا الأمر، أو هذا الطابع الغرائبي لحكمٍ صدرَ لمعاقبة رقّتي واعتدالي. لا شكّ في أنني أخطأت، لاعتقادي بأنني حسناً أفعل، في التوجّه الذي وسمتُ به حياتي. ولكن من الآن فصاعداً ما عاد ممكناً تغيير ذلك. لذا حريٌّ بي أن أقرّ بأنّكِ كنتِ على حقّ. أو لنقُل فقط أننا ربّما كنّا لنعاقبٍ بطريقةٍ أخرى، نحن وأولادنا وأحفادنا. أريد أن تكون واضحةً ومعلنةً على الملأ مسؤولية الديموقراطيّة المسيحيّة الكاملة، والتي تصرّفت بمنتهى العبث وعلى نحوٍ لا يُصدَّق. هذه المسؤولية يجب أن تؤكّد بحزم، كما قد يكون من اللائق رفض أي مبادرة محتملة لمنحي الوسام الذي يُمنح عادة في ظروفٍ مماثلة. الحقيقة أن عدداً كبيراً من الأصدقاء (غير أني لا أجهل أسماءهم)، سواء لأنهم خُدِعوا بالفكرة القائلة إنّ أي تصريح من قبلهم قد يضرّ بي، أو لأنّهم حرِصوا على الحفاظ على مواقعهم الشخصيّة، لم يلتزموا الدفاع عن قضيّتي كما ينبغي. مئة توقيع لا غير ـ هي كلّ ما اقتضى جمعه لإرغامهم (أي الحكومة) على المفاوضة. ولكن كفانا تقليباً لمواجع الماضي. أمّا المستقبل، فقوامُه لحظة الحنان اللامتناهي الذي أكنّه لكم، لحظة الحبّ الهائل الزاخر بالذكريات التي تبدو في الظاهر تافهةً غير أنها لا تقدّر بثمن. إذ توحّدكم ذكرى حضوري بينكم، ألا فلتعيشوا تحت السقفِ نفسِه. وإذ ذاك يتراءى لي بأنني أحيا معكم. مغدقاً قبلاتي ولمساتي التي كم أودّ أن أمنحها، على كلّ وجه، على كلّ جفن، على كلّ ضفيرة. لكلّ منكم كلّ حناني الذي يتسلّل منّي عبر يديكِ أنتِ. كوني مقتدرةً يا عَذْبَتي، في خضمّ هذا الاختبار العبثي الذي يعصى على الفهم. إنها سُبُل الربّ. بلّغي كلّ الأهل والأصدقاء أحسن ما لديّ عنهم من الذكرى، وبلّغيهم مودّتي. لكِ، للجميع، قبلة حارّة، عربون حبّ أبدي. أودّ أن أفهم? كيف لي، بعينيّ الفانيتين هاتين، أن أراكم، بعد ذلك؟ لو كان ثمَّ نورٌ لكان غاية في الروعة. يا حبّي، سأبقى دائماً بجوارك، عانقيني. قبلاتي لكلّ من فيدا وديمي ولوكا (الكثير الكثير منها للوكا) وآنا وماريو، الذي سيولد، وآنييسي وجيوفاني. كم أشعر بامتنانٍ لكل ما بذلوه.
كلّ شيء باطل إذا لم يشأ المرء أن يفتح الباب.
البابا بولس السادس لم يبذل إلاّ القليل من الجهد؛ لعلّه يندم بعض الندامة. لعلّه يندم ولو بعضَ الندم.

في 9 أيار 1978، يُعثَر على آلدو مورو جثة هامدةً في الصندوق الخلفيّ لسيّارة رينو 4 في وسط روما.