أصبح للعراق رئيس منتخب. ليس هذا فحسب، بل رئيس لم ينتخب بنسبة 100%. لا بل رئيس ينتمي إلى طائفة كانت طوال العقود التي وقع فيها العراق أسيرا لحزب البعث الجائر، مضطهدة. طائفة فقدت عشرات الآلاف من أطفالها ونسائها وخيرة رجالها في أبشع جريمة ارتكبها نظام ديكتاتوري متجبر هو نظام صدام حسين المخلوع.
من كان يصدق أن العراق تصبح فيه جمعية وطنية منتخبة؟. من كان يصدق أن العراقيين سوف يجتازون قيود القهر والظلم والحرمان وينجحون في اختبار الديمقراطية؟. من كان يصدق أن العراق سيديره برلمان منتخب انتخابا حرا بإرادة شعب رفض كل أشكال التطرف والإرهاب والتخلف، وواجه التحديات وذهب إلى صناديق الاقتراع ليدلي بصوته بحرية؟. من كان يصدق أن يحكم العراق رئيس كردي، ونائب للرئيس من الطائفة السنية ونائب ثانٍ من الطائفة الشيعية، في توليفة رائعة كشفت عن تصميم العراقيين على تقرير المصير دون تدخل قهري أو قسري؟
لم يكن انتخاب جلال الطالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني رئيساً للجمهورية العراقية الديمقراطية التعددية، والشيعي الدكتور عادل عبد المهدي، والسني غازي الياور نائبين له بالحدث العادي. فقد تم اختيارهم شعبيا عبر برلمان قرره العراقيون في انتخابات حرة وسلمية لم تشهد مثلها المنطقة والأنظمة العربية خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. هذا الحدث الكبير يشكل منعطفا في تاريخ العراق السياسي، ودرسا بليغا لأغلب الأنظمة العربية التي لم تعرف أي نوع من المشاركة السياسية والممارسة الديمقراطية طوال تاريخها الحديث.
إن الشعب العراقي يمر اليوم بمرحلة مصيرية وحساسة من تاريخه، فالمستقبل يتطلب المحافظة على هذه الوحدة الوطنية التي تجلت في انتخاب البرلمان والرئيس ونائبيه. والمستقبل يتطلب توحيد وتكثيف الجهود لبناء عراق حر وآمن ومستقر ومستقل. وللذين يشككون اليوم في هذا الإنجاز الحضاري في بلاد الرافدين من جهلة العرب، عليهم أن يدركوا أن الرئيس العراقي المنتخب جلال الطالباني، يمثل ما نسبته 17% فقط من الشعب الكردي، إلا أن الذين رشحوه ثم انتخبوه لرئاسة العراق الديمقراطي، هم الأكثرية الشيعية التي تشكل نسبة أكثر من 51% من أعضاء الجمعية الوطنية (البرلمان)، عدا عن نسبة الـ30 عضوا شيعيا من "حركة الوفاق" التي تحتل 40 مقعدا في البرلمان. كل هؤلاء منحوا أصواتهم لجلال الطالباني ليتم انتخابه بشكل مباشر رئيساً لأول مرة في تاريخ العراق.
لم يستسلم العراقيون للفكر البعثي الشمولي المتخلف الذي بنى نظاما ديكتاتوريا رفض مكونات المجتمع العراقي الطائفية والعرقية والقومية على اختلاف مشاربها، فكان السقوط المريع وغير المأسوف عليه لكل المبادئ العفنة التي نادى بها البعث خلال ما يقرب من أربعة عقود من الظلم والقهر والمقابر الجماعية ومعتقلات الرعب.
سوف يترك هذا التغيير الديمقراطي في العراق أثرا كبيرا ومهما على المنظومة السياسية العربية وهيكلتها المهترئة، والتي بدأت تعيش هذه الأيام هاجس التغيير في العراق. فما جرى هناك من عرس ديمقراطي بكل معنى الكلمة، يؤسس لوضع جديد ليس في الدول المجاورة فقط، بل في المنطقة بأسرها، ويشكل "استراتيجية" يجري الإعداد لها دوليا لإحداث تحولات جذرية كبرى تتجاوز الصورة التقليدية لأشكال التعاطي السياسي والاجتماعي الذي تعيشه أغلب البلدان العربية منذ ردح من الزمن. تلك التحولات التي ستغير المناخات التي كانت سائدة في الماضي والتي ساهمت في نمو واقع متخلف وجاهل، وفكر متطرف أدى إلى بروز ظاهرة الإرهاب في المنطقة بأسرها.













التعليقات