لا يمكن كشف حقيقة «من قتل الحريري» دونما معرفة حقيقة لبنان. وأطرح هنا أربعة أماكن للبحث توفر على اللجنة الدولية كثيرا من الوقت والجهد..
بداية، لبنان بلد يحكمه من الداخل خيال الطوائف والزعامات السياسية، تحكمه ثنائية المدينة والجبل، ويحكمه من الخارج «كفلاء» عالميون وإقليميون. هكذا كانت المعادلة التاريخية. وبعد ظهور «حركة أمل» كممثل سياسي لشيعة لبنان، وظهور «حزب الله» كممثل عسكري وجهادي يحرس مصالح الشيعة، أصبح المخيال السياسي والثقافي الحاكم للبنان مكونا من أربع صور، لا تمكن قراءة لبنان إلا من خلالها.
هذه الصور تتمثل في:

* الزعامات التقليدية والعائلات السياسية، كعائلة جنبلاط عند الدروز، وعائلة الجميل عند الموارنة، والصلح وكرامي وغيرهما عند السنّة.
* الصورة الثانية مرتبطة بالكفيل العالمي للوضع الداخلي، مثل الكفيل الفرنسي بصفته الدولة الاستعمارية الأم، أو الأم الرؤوم، كما يسميه اللبنانيون، ثم ظهرت بعد الاستقلال كفالات إقليمية كإيران كفيل حزب الله، أو سوريا ككفيل بديل عن فرنسا، أو المملكة العربية السعودية ككفيل للسنّة وراعية لاتفاق الطائف. وفي المخيلة اللبنانية تراتب لوضعية الراعي الدولي أو الكفيل الإقليمي، ففرنسا قد تأتي في القمة عند طائفة ما، بينما تأتي إيران أو سوريا على رأس القائمة عند طائفة أخرى، أو في ذيلها حسب الميل السياسي والهوى الثقافي أو الديني عند أي جماعة من الجماعات التي تشكل الموزاييك الطائفي والثقافي في لبنان.
* أما الصورة الثالثة الحاكمة للمخيلة اللبنانية فهي الصورة الشيعية التي تكون فيها حالة انتظار عودة الإمام الغائب مسيطرة على العقول والقلوب، وكان الإمام موسى الصدر آخر هؤلاء الأئمة الذين غابوا.
خيال الغيبة الصغرى أو الغيبة الكبرى والعودة التي قد تؤدي إلى الخلاص الشيعي من عذابات الدنيا هي الروح التي تدفع الدم في الجسد الثقافي الشيعي، وتجعله في حالة التوتر الخلاق التي نراها.
* أما الصورة الرابعة والأخيرة فهي ثنائية الجبل والمدينة، حيث تمثل المدينة، وأعني هنا بيروت بالتحديد، رمزية الحضارة والحداثة بينما يمثل الجبل شيئا أقرب إلى البداوة التي تهجم على الحضر فتخرب ثقافته، وربما تؤدي إلى تحلل دولته، كما يرى «عمنا» عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته، ويمتد هذا الخيال أحيانا ليتخطى لبنان ويصل إلى حضارة الجوار وبداوته، وهذا ما عكسته رؤية حنان الشيخ في روايتها الموسومة بـ «مسك الغزال» والتي تصور فيها المرأة السعودية (البدوية طبعا) بصورة أقرب إلى تصوير المستشرقين لحالة البداوة، ولو رفعنا اسم حنان الشيخ عن الكتاب أو طمسناه وقرأنا الكتاب لأول مرة دونما معرفة الاسم لظننا أن مؤلف الكتاب هو مستشرق من أمثال بيرنارد لويس أو رافيل بتاي أو غيرهما ممن نضعهم في خانة المتحيزين ضد العرب والثقافة العربية.

تلك هي الصور الأربع الأساسية الحاكمة للمخيلة اللبنانية في رؤيتها لنفسها وللعالم من حولها cosmology، رؤية متكاملة تحكمها المفاهيم أو الصور الأربع سالفة الذكر. دونما فهم هذه الصور لا يمكن لكائن من كان أن يسبر أغوار السؤال الكبير وهو: لماذا قتل رفيق الحريري؟
الحريري بشخصه، وبتجربته التجارية والسياسية، وبارتباطاته الإقليمية والعالمية، فجّر كل الصور الأربع تقريبا، أو في أحسن الأحوال كان مصدر توتر وقلق لتلك الصور الحاكمة للبنان، صور تخفي خلفها حقيقة لبنان. مفاهيم تفعل في لبنان فعل السدود والحواجز التي تتراكم من خلفها مياه كثيرة، هذه الصور الأربع مرصوصة بعضها جوار بعض لتكون حاجزا أشبه بالسد العالي في أسوان الذي يحجز خلفه مياه بحيرة ناصر، وأي خرق لهذه الصورة يعني أن الماء سيهدر مندفعا، ومكسرا لكل الحواجز، ليجرف كل ما أمامه، وربما يغرقه تماما.
في الحالة اللبنانية، لا تحجز هذه الصور مياها من خلفها، وإنما تحجز حالة من الغضب نشأت من هذا الصراع الذي يغلي بين جيل الشباب المعاصر، وجيل «القبضايات» وزعامات الطوائف. بين معاصرة الشباب وحداثتهم وبين تخلف السياسية اللبنانية التي تبدو أقرب إلى القبلية منها إلى الحداثة.
في هذا السياق، أكرر مقولة لصديق عزيز من النابهين عن لبنان بأنه بلد حديث عندما تنظر إلى قشرته السطحية، ولكن لبنان أشبه بقبة مسجد محمد علي في القلعة، القبة مغطاة بقشرة فضية تخفي تحتها معمارا اقطاعيا قديما. وعندما تنظر إلى القشرة تشعر أنك في باريس ولكن عندما تقترب من تفاصيل السياسة اللبنانية تكتشف أنك بين قبائل اليمن أو الصومال، وأبعد ما تكون عن ديمقراطية الإليزيه.
هناك تخلف سياسي يتناقض مع مهارة اللبنانيين في التجارة والسفر اللذين برعوا فيهما لدرجة تجعل البعض في العالم الخارجي يظن أن الانتساب إلى لبنان انتساب إلى حرفة وليس انتساب إلى جنسية بذاتها.
هذه الصور الأربع أو المفاهيم الحاكمة كانت هي المانع الذي يحتفظ بهذه التناقضات خلف السد. وتجربة الحريري السياسية وكذلك شخصيته العصامية الخارجة عن إطار الأسر الإقطاعية أحدثتا شروخا في هذه الصور، وأحدث الحريري خروقا في هذا السد، وخصوصا عندما انضم إلى صفوف المعارضة.

كيف فجّر الحريري هذه الصور الأربع؟! هذا هو إسهام هذا المقال في طرح تفسير ثقافي/ سياسي لعملية اغتيال الرئيس الحريري!
من رجل بسيط من صيدا يجني الثمار إلى رجل أعمال معروف، وإلى رئيس وزراء يتحرك برشاقة في الساحتين الإقليمية والدولية. يتناول الغداء مع رئيس البنك الدولي والعشاء مع جاك شيراك، وربما الإفطار مع كبار أمراء المملكة السعودية. كل ذلك من خلال تجربة خاصة الأساس فيها هو الاجتهاد الشخصي والكد والعمل. ولكن ما هكذا يصل الناس إلى سدة الحكم في لبنان، فالسياسة في لبنان تورث لأمراء الطوائف وشيوخ القبائل السياسية.
إذن نموذج الكفاءة كمعيار للصعود السياسي بدأ يحل محل مفهوم التوريث الطائفي، وبهذا قلبت تجربة الحريري الصورة الأولى في المخيال اللبناني، إذ كان عنوان تجربته هو «بالعمل الدؤوب يمكنك أن تصل إلى ما تريد حتى لو لم يكن وراءك إرث سياسي».
هذا العنوان غير مقبول في مجتمع سياسي متخلف تقوم أسسه السياسية على توازنات طائفية وعلى إرث سياسي. الحريري إذا فجّر الصورة الأولى الحاكمة للسياسة في لبنان، ولكن ماذا عن الصور الأخرى؟!
الحريري ذهب إلى السعودية صغيرا، ذهب في غربة بحثا عن «أكل عيش»، كما نسميه في مصر، وغاب عن بلده غيبة صغرى، سمع الناس في لبنان بعد ذلك عن ثراء الحريري، كانوا ربما سعداء له طالما أنه غائب عنهم لا تطأ قدماه بلادهم ولا يزعج وجوده زعاماتهم ومعادلاتهم السياسية المتوارثة عبر الأجيال. ولكن ما إن دخل لبنان في حال الخراب والحرب الأهلية، وما إن حدث الدمار لم يكن أمام اللبنانيين إلا الاستعانة برجل لديه من المال ومن الرصيد السياسي الإقليمي والدولي ما يكفي لإضاءة شوارع بيروت، وإعادة إعمارها.

الحريري ذلك الإمام الغائب عاد إليهم من غيبته الصغرى، والمخيال الشيعي يقبل بفكرة الإمام الغائب، وإنما الإمام العائد هذا يمثل مشكلة، لأن العودة فيها تفجير للصورة الثانية، تلك الصورة التي تخلق حالة التوتر والتعبئة التي تجعل الشباب يلتف حول راية «حزب الله».
بعودته من الغيبة الصغرى، فجّر الحريري الصورة الثانية الحاكمة في معادلة لبنان. ولكي يستقر الوضع لا بد له أن يغيب في غيبة كبرى.
ارتباط الحريري بالممكلة العربية السعودية أيضا رغم كل ما عاد به من منافع للبنان بداية من اتفاق الطائف إلى تدفق الاستثمار، كان فيه خرق لعلاقة الحضر بالبداوة، لعلاقة المدينة بالجبل. السعودية في خيال أمثال حنان الشيخ وفي خيال بيروت، عالم أغنى ماليا ولكنه أقل ثقافة وتحضرا، فكيف نأتي بأموال البداوة لإعادة إعمار مدينة الحضارة..؟ هذا الارتباط الحريري بين المملكة والرئيس فيه خرق للصورة الثالثة الحاكمة للمخيال اللبناني، كما أن فيه قلقا للحريري نفسه ربما، فكيف ينتقل هذا الرجل من حالة يكون راعيه فيها العاهل السعودي الذي بنى والده مملكة بسيفه، إلى كفيل آخر ليس له نفس التاريخ السياسي أو حتى القدرة المالية (سوريا)؟
الانتقال من كفالة أعلى إلى كفالة أقل ربما لم تجعل الحريري مرتاحا لعلاقته بسوريا، رغم أنه بنى القصر الرئاسي هناك، إلا أن ظني أنه لم يكن قابلا بتلك الهرمية أو التراتبية السياسية، وهذا ما أدى إلى تفجير الصورة الرابعة وربما تفتيتها. علاقاته أيضا وكذلك شخصه الحديث المتمثل في بناء مؤسسات مدنية كمؤسسة الحريري، كانت نقيضا للتقليدية السياسية والبدائية من تصريف الأمور على أساس مؤسسات لا طوائف، وأدت إلى خلق شروخ كثيرة في المخيال اللبناني.
تفجير موكب الحريري في وسط بيروت، زاد الشروخ في هذه الصور أو المفاهيم الأربعة التي كانت تفصل ما بين ساحة الشهداء وبين الشباب والشابات الذين وقفوا خلف سد الصور الثقافية الأربع. فجّر هذه الصور وشرخ السد، ومتى ما انهار السد تدفقت شلالات المياه، وتدفق زخم الشباب إلى ساحة الشهداء، لم تعد هناك مخيلة أو صور تمنع هذا الشباب من الخروج.
يبحث الناس عن الحقيقة وراء اغتيال الحريري، ولكن الأهم أن اغتيال الحريري كشف حقيقة لبنان.