منذ بضعة اعوام تقدم العقيد معمر القذافي قائد الثورة الليبية ببرنامج لاصلاح الجامعة العربية. وقدم مشروعاً لحل القضية الفلسطينية يقوم علي اساس فدرالي. وظل العقيد شديد الالحاح علي برنامجه للاصلاح، وعلي ضرورة تبني الجامعة العربية لرؤيته لحل قضية الصراع الفلسطيني الاسرائيلي. وقد تسبب اغفال مشروع العقيد ورؤيته للحل الي ازمة بين ليبيا والجامعة العربية وهدد العقيد اكثر من مرة بالانسحاب، وجمد في لحظات معينة علاقاته بالجامعة.

صحيح ان لميل العقيد للأفرقة منذ التسعينات دخلا في هذا التوجه، وصحيح ايضا ان الموقف الافريقي كان اكثر حرارة وتأييدا لليبيا من الموقف العربي في مواجهة الحصار الامريكي.

ما يهم هنا هو مشروع العقيد لحل قضية دامية تستمر منذ منتصف القرن الماضي، خصوصا إذا ادركنا ان العقيد شديد التمسك بالحل. ويعتبره الاكتشاف السحري، والحل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!!!وقد كانت محاضرة العقيد في قمة الجزائر مكرسة في جانب مهم لهذه الرؤية. حماس العقيد لرؤيته المطروقة منذ مراحل باكرة في الفكر اليساري سواء الصهيوني او الشيوعي او حتي القومي غير مبررة. فالعقيد يتهم الاسرائيليين والفلسطينيين بالغباء لا لأنهم لم يدركوا الحل حيث يري انه لا حل الا بالعودة الي الفدرالية والفدرالية وحدها.

ما يهمنا امران: الاول.. ان الفدرالية مطروحة علي الفكر اليساري اليهودي منذ ما قبل تشكيل دولة اسرائيل وما بعدها ثم طرحت ايضا لدي اطراف عربية، وداخل منظمة التحرير الفلسطينية منتصف السبعينات. والأمر الثاني.. ان الوضع الحالي القائم علي الارض والمتمثل في حرب الابادة والتوسع في اقامة المستوطنات، ومد جدار الفصل العنصري كالثعبان حسب بوش نفسه. وفرض شارون لحله القائم علي الامن مقابل السلام مع بعض التنازلات التكتيكية يجعل من دعوة العقيد (حديثا غير ممكن التحقيق).

لقد نظر اليسار العمالي الي القومية العربية كقومية رجعية يسيطر عليها الاقطاعيون وعملاء الاستعمار البريطاني. ورأي وايزمان امكانية الاتفاق مع القومية العربية مقابل التخلي عن الحقوق في فلسطين. وهو صاحب نظرية ان فلسطين جزء مهم من الوطن العربي الكبير. وقدم الصهاينة عام 1930م مشروعا نال تأييد ابن جريون الحذر يدعو لاقامة دولة يهودية في فلسطين تصبح جزءا من اتحاد فدرالي يضم المشرق العربي بأسره. ويؤكد ناحوم غولدمان رئيس المؤتمر اليهودي علي تشكيل نوع من الكتلة او الاتحاد الفدرالي بين دول المشرق الادني تدخل اسرائيل طرفا فيه. ويضيف في دراسة له نشرها وترجمها مركز الابحاث بمنظمة التحرير الفلسطينية 1968م (لقد دعت الصهيونية دائما الي اعتناق هذا الحل عندما قدمت عام 1946م باسم الوكالة اليهودية مذكرة إلي الحكومة الأمريكية تتضمن اقتراح تقسيم فلسطين وانشاء دولة يهودية واخري فلسطينية، وانشاء اتحاد كونفدرالي يضم الدولتين وسائر دول الشرق الاوسط، وقدم ابن جريون (رئيس اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية) امام لجنة الأمم المتحدة قدم الاقتراح نفسه مرفقا بتحالف يهودي عربي. راجع من الفكر الصهيوني المعاصر ص 334 ط بيروت.

ويشير المؤرخ المهم د. عبدالوهاب المسيري في موسوعته الي ان موقف حزب المابام -يسار صهيوني- كان يقوم علي رفض التقسيم. ويطرح فكرة الدولة ثنائية القومية بين العرب واليهود.

وقد تلاشت الدعوة بعد تماهي المابام مع الماباي ليكونا مفاتيح حزب العمل الاسرائيلي الباني الحقيقي لدولة اسرائيل، واذا كان هذا الطرح قد مثل يوتوبيا اليسار الصهيوني في مرحلة ما قبل قيام دولة اسرائيل فان الذي انتصر هو الاتجاه العنصري الاكثر دموية وعرقية وفاشية في الحركة الصهيونية.

كان منتصف السبعينات بداية التحولات اليسارية في المنطقة العربية وبالاخص في الحركات الفلسطينية فظهر شعار الدولة ثنائية القومية في منظمة التحرير الفلسطينية وتبنته معظم القيادات. ولعبت مجلة دراسات فلسطينية ورئيس تحريرها دورا كبيرا في التنظير للفكرة، وقد جرفت الاحداث الدامية والتدميرية الشعار كما جرفت قرار التقسيم، وما تلاه من قرارات اممية. ان انتصار اليمين الصهيوني قد دفن الحلول السلمية ووصل الأمر الي رفض الارض مقابل السلام ليصبح الحل عند شارون الامن مقابل السلام، بمعني ان حرب الاستئصال والابادة والتهويد تظل قائمة ما لم يقبل الفلسطينيون بالامر الواقع.

لم يعد التقسيم مطروحا، ولم تعد الدولة ثنائية القومية واردة وان عاد للتذكير بها الدكتور عزمي بشارة بين الحين والآخر في حدود 48 فقط.

لقد ابتعد اليمين الصهيوني سواء العمالي او الليكودي عن السلام الحقيقي خصوصا بعد احداث ال 11 من سبتمبر، وتماهي السياسة الامريكية مع اسرائيل او بالأحري مع اليمين الفاشي. واذا كانت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة لم تعد تطيق سماع المبادرات العربية القابلة بحلول ليست عادلة ولا شاملة ولا تمثل الا الادني من الحد الادني فكيف يمكن ان يطرح عليها حل يلغي في جوهره طبيعة الدولة اليهودية ذات الطبيعة العرقية.

والأمر لا يتعلق بصواب او خطل الدعوة وانما يتعلق بزمانها ومكانها وقابلية الظروف الشرق اوسطية والدولية، وقديما قال البلاغيون العرب (ان البلاغة مطابقة الكلام لمقتضي الحال..!) ثم ان الامر متعلق بالفلسطيني المشرد ما يقرب من ثلاثة ملايين ويتعلق بالفلسطيني في الداخل الذي يتعرض يوميا للقتل وتهديم المنازل، وقلع الاشجار، وتجريف التربة، والحصار، والاغتيال اليومي ويواجه جيش دولة تروع الدول العربية مجتمعة ويتفوق عليها.

لا يحتاج الفلسطيني الذي يتصدي وحده لآلة الحرب الجهنمية للسخرية او الاستهزاء او الاتهام بالغباء. كما ان اليهودي الذي بني دولة تتفوق عسكريا واقتصاديا وعلميا وحضاريا علي كل دول المنطقة ليس غبيا،الا يكفي الشعب الفلسطيني تخلي اخوته العرب عن مأساته الكبري التي يتعرض لها، والتي لم يكن الحكام العرب بالبعيدين عن صناعتها والمتاجرة بها.

ان مشروع الكنفدرالية ليس من عنديات الزعيم الليبي وهو مشروع جناح في اليسار الصهيوني كما اسلفنا والعقيد يتحمس له وكأنه مشروعه الخاص، ثم لا يدرك ان الامر متعلق بالاسرائيليين والفلسطينيين وحدهم ومحاولة فرضه باستعلاء وارادوية لا يخدم قضية. صحيح ان الامر ليس بالمستحيل، وهو طموح انساني رائع. ولكن العيب في طرحه ان يتهرب من خلال طرحه من واقع المأساة اليومية للانسان الفلسطيني الذي يواجه مخاطر طمس قضيته والغاء حقه في ارضه، وبناء كيانه الوطني.