أحمد مغربي

ماذا يعني اينشتاين في القرن 21؟ يمكن الاجابة عن هذا السؤال بطرق لاحصر لها، على الأرجح. اذا تركنا المجال العلمي المباشر، وحاولنا تقصي اثر تلك النسبية في طرق التفكير، من المدهش القول ان لا إجماع على هذا الأمر. فعلى رغم قوة التغيير الذي احدثته النسبية في مفهوم الناس عن الزمان والمكان والكون وغيره، فإن التقويم العام لأثرها الفكري متفاوت. وفي مثال متطرف، لم ير عالم الاجتماع الاميركي فرانك سولووي، من جامعة ماساشوستس، أي اثر للنسبية خارج المضمار العلمي. لقد صنفها كثورة تكنولوجية. وشدد على ان مفهوم نسبية الزمان والمكان، كان متجذراً في الفلسفة قبل اينشتاين. وفي هذا المعنى، فان اثر اينشتاين اقل بكثير، بالنسبة لسولووي، من مقولات العالم البيولوجي تشارلز داروين (تغير مفهوم هوية الكائن الانساني) والفلكي كوبرنيكوس (هدم مفهوم ان الارض هي مركز الكون، الذي كان راسخاً لقرون طويلة)، والفيزيائي اسحاق نيوتن (اكتشاف جاذبية الاجسام التي تناقضت مع فلسفة الثنائية في الكون عند الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت). ويرى سولووي، مستنداً الى آراء مشابهة، بما في ذلك مقولات الفرنسي مايكل كون عن المزايا التي قد تعطي الاكتشاف العلمي طابع الثورة الفكرية، ان النسبية نشأت من الفلسفة، وليس العكس. هل كان سولووي وامثاله مخطئين؟ كيف يمكن القول ان نظرية قلبت مفاهيم الزمان (لم يعد ثابتاً ولا موزعاً باستقرار بين الماضي والحاضر والمستقبل)، والمكان (صارت ابعاده متغيرة وقابلة للتغيير كلما تغيير من يراقبه)، لم تغيّر في طريقة تفكير البشر؟ ربما كان ذلك ما حاولت «الحياة» ان تتقصاه عبر تخصيص محور خاص في الذكرى الخمسين لوفاة اينشتاين (18 نيسان/أبريل 1955), التي تصادف مرور قرن على وضعه اسس النظرية النسبية. وأملنا ايضاً ان يقدم المثقفون العرب صورة عن تأثر الثقافة العربية بمقولات النسبية. الى أي حد نجحنا في هذا الأمر؟ الامر متروك للقارئ. ولكننا حاولنا على الاقل!


العبقرية المثيرة للانبهار
راشد المبارك


الكون في أبعاده وظواهره نبعٌ لا ينضب مما يثير الدهشة والغرابة ويبعث على الاستشكال. وفي القرن السابع عشر، تنبأ الفيلسوف الفرنسي الشهير رينيه ديكارت أن اللغة التي سيقرأ بها كتاب الكون هي الرياضيات. وأيد كثير من الشواهد صدق توقعاته. ومنذ ذلك الوقت والفيزياء النظرية – ومنها فيزياء الكون المتعلقة بوحداته وأبعاده والقوانين التي تحكمه – تستخدم الرياضيات في اكتشاف قوانين الكون. والرياضيات علم مستقل بذاته. ولا تستعمل التجربة الا في التأكيد على صحة منجزات البناء الرياضي. وفي الحالات القليلة التي تختلف فيها المشاهدة عن ما يدل عليه البناء الرياضياتي، يعزى الأمر الى حدود عمل بعض القوانين الرياضية، وليس الى بطلانها. وقد جاء علم الميكانيكا الكمومية Quantum Mechanics وهو فرع من الرياضيات، ليفسر بعض المشاهدات كسلوك الأجزاء الدقيقة من المادة مثل الذرة ومكوناتها.

وفي مجال الكشف عن بعض قوانين الكون، لم يعرف تاريخ البشر حدثاً علمياً اشهر من النظرية النسبية بجزءيها الخاص والعام. ولم يعرف فرداً اشتهر علمياً، كما اشتهر ألبرت أنشتاين. لقد صارت النظرية النسبية محلاً للدراسة في مراكز البحث والجامعات ومناقشات العلماء. كما صارت موضعاً للتداول لدى كثير من الناس.

ومن ناحية أخرى لم تنشر نظرية اسماً وتُجهل معنى ومحتوى، بقدر النظرية النسبية ايضاً!

النسبية بمفهومها الأولي العام مدرك مشترك بين البشر كافة. تشير لغتهم إليها. فبداهة ان تصور الطول والقصر والحسن والقبح وما إلى ذلك من صفات ترجع إلى من يتحدث عندها. وكذلك عندما يكون الحديث عن الكبر أو الصغر من المساحات والحجوم، فإن المعنى المتواري في ذهن المتحدث هو نسبة هذه المدركات إلى ما عرف.

على أن النسبية في تصور الفيزيائيين مثل غاليلي تذهب إلى أبعد من ذلك. وتتجلى في القول ان حركة جسم ما، لا تأخذ معناها الا عندما تنسب إلى مرجع لا يشارك مع هذا الجسم في الحركة نفسها، بمعنى انه لا يتحرك بسرعته واتجاهه نفسيهما.

أدرك أنشتاين دلالة ما تنطوي عليه معادلات ماكسويل الموحدة لقوانين المغناطيسية والكهرباء التي بناها على نظرية الحقول. وربطها مع معادلات الحركة عند علماء المدرسة النيوتينية (الميكانيكية التقليدية). ولاحظ أن قوانين نيوتن تنطبق على الاجسام، في حين أن قوانين ماكسويل تتعلق بالموجات الكهربية المغناطيسية. فكان عمله في نسبيته الخاصة أن يوحد بين هذين المفترقين. وقد كان هذا العمل خطوة مثيرة. وأسفرت عن نقلة حاسمة في تغيير تصور البشر عن الزمان والمكان وثبات الكتلة والأطوال والعلاقة بين الطاقة والمادة. فلم يعد هناك مكان مطلق ولا زمان مطلق وليست هناك كتلة أو بعد ثابتان، ولا انفصال بين الكتلة والطاقة. فليس للمكان استقلال عن المادة الموجودة فيه – كما قررت ذلك فيزياء نيوتن – إذ انه لا يعدو نسق ترتيب المادة التي توجد في المكان.

وفي هذا وضع معادلته المشهورة المعينة للتبادل بين المادة والطاقة. وكذلك دلت النسبية على ان طول الجسم المتحرك يقصر في اتجاه حركته حتى يتلاشى لو بلغت سرعته مثل سرعة الضوء. وبرهنت ايضاً على ان الزمن يعتمد على حال من يراقبه، فلكل راصد زمنه.

العلم الطبيعي وما أنتجه من تقانة هو العربة التي حولت أمماً من الفقر والضعف والخفوت إلى القوة والغنى والظهور، ومما يدعو إلى الحزن والغرابة معاً أن هذا الجانب هو الفريضة الواجبة الغائبة لدى ما يسمى بـ العالم الثالث، إنه الغائب عن موعظة كل واعظ وخطبة أي خطيب وبرنامج أي حزب واهتمام أي زعيم، من ذلك نفهم السر الحقيقي لوضع هذه الشعوب التي تنتسب إليه.

ـ أستاذ الكيماء الكمومية Quantum Chemistry سابقاً في جامعة الملك سعود.


سادة الزمن: ماذا يعني لي اينشتاين؟
تركي علي الربيعو

العلم ولا شيء إلا العلم، والصناعة، ولا شيء غير الصناعة، تلحقنا بسقف التاريخ الأوروبي، هذا هو خطاب داعية التكنولوجيا والعلم في الإيديولوجيا العربية المعاصرة والذي حطّ رحاله في الغرب كما كتب المفكر المغربي عبدالله العروي في نهاية عقد الستينات من القرن المنصرم. وفي هذا السياق الذي شهد انبعاث حكومات تكنوقراط وجامعات علمية وتكنولوجية وثانويات علمية، كان ألبرت آينشتاين يمثل نموذجاً لابن الطبقة الوسطى الذي انتقل من موظف مغمور في مكتب البراءات السويسري، إلى أحد كبار الفائزين بجائزة نوبل لإسهامه في نظرية الكم. وعلى رغم أن جائزة نوبل منحت له للسبب المذكور أعلاه، إلا أن آينشتاين ارتبط في ذهننا، نحن أبناء ذلك الجيل المفتون بالعلم، بالقنبلة النووية، إذ عمل جاهداً على إقناع قادة البيت الأبيض بأخذ الفكرة على محمل الجد، وبالنظرية النسبية التي كان لها وقع السحر علينا ولكنها ظلت لاحقاً عصية على كل سحر. كانت بالنسبة إلينا وعلى مقدار ما يحاول أساتذتنا إقناعنا بها، من قبيل الطلسم السهل الممتنع، ولكن السهل الذي يضفي على صاحبه هالة من السحر وقدرة على ارتياد آفاق لم يرتدها أحد من قبله، ومع أن واقع العلم لا يقر ذلك لأنه يأخذ بمبدأ التراكم العلمي، إلا أن موهبة آينشتاين كانت فذة.

وعلى رغم أن الكثير من معادلاته المستحيلة الحل قد حلت لاحقاً، إلا أن آينشتاين ظلّ فذاً واستثنائياً وسيداً من أسياد الزمان والمكان على حد تعبير العالم الأميركي من أصل ياباني ميتشيو كاكو في كتابه «رؤى مستقبلية»، فلم يتحول الرجل مجرد حاشية ممتعة في تاريخ العلم. وبمقدار ما كان يثير فينا – نحن أبناء العالم العربي – إرباكاً لكون حياته مقسمة كما وصفها هو «بين السياسة والمعادلات»، وعلى رغم إيثاره المعادلات في النهاية على السياسة لأنها تهبه الخلود كتلك العشبة السحرية التي جاء بها جلجامش من أرض الخلود كما تقول الميثولوجيا الرافدية، فإن انخراطه في السياسة مع علمه بأنه ساذج فيها على حد اعترافه، هو ما كان يثير مخاوفنا وابتعادنا منه. فالرجل كان صهيونياً على حد تعبير ستيفن هوكنغ وارثه في كرسي الأستاذية وصاحب كتاب «موجز في تاريخ الزمان»، وتأييده الصارخ لإسرائيل التي اعتبرها قضيته الكبرى الثانية، كان يثير فينا مشاعر الريبة والشك، فكيف لعالم كبير أن يكيل بمكيالين، بمكيال المعادلات الذي يثير إعجابنا، ومكيال السياسة الذي جعله من مؤيدي الصهيونية ورشحه إلى رئاسة إسرائيل مع رفضه لها.

الانسان سيستخدم العصا والحجر في الحرب العالمية الرابعة»
حسناء اسخيطة

أعلنــــت الأمــــم المتحـــدة عام ٢٠٠٥ عاماً دولياً للفيزياءWorld Year of Physics بمناسبة مرور مئة عام على العام ١٩٠٥ الذي شهد صدور عدد من أهم النظريات في الفيزياء مثل نظرية النسبية لأينشتاين وفرضيته حول طبيعة الضوء، والنظرية الكمومية Quantum Theory وغيرها. وتشارك مكتبة الإسكندرية في هذه المناسبة بعقد مؤتمر دولي عنه.

حين درسنا نظريات أينشتاين في المدرسة عرفنا أنه عالم خارق. كان واحداً من أولئك الذين تخطوا بعقولهم حدود الواقع. ورأى البعض أن نظريته حول النسبية العامة أقرب للتصور الفلسفي من النظريات العلمية. ورأى آخرون أن نظريته حول النسبية الخاصة نبوءة لم تتحقق بعد.

ولقد تأثرت بمقولة اينشتاين الشهيرة: «أهم شيء أن لا تتوقف عن التساؤل». حاولت أن أطلع على سيرة حياته. وعرفت أنه تبرأ من كونه مواطناً ألمانياً فور وصوله الى سويسرا ليتجنب الخدمة العسكرية الإلزامية، وليحصل على الجنسية السويسرية. ولاحظت انه تبنى الفكرة القائلة أن ألمانيا على وشك التوصل إلى تفجير نواة الذرة.

فأرسل رسالة إلى فرانكلين روزفلت الرئيس الأميركي، يناشده التعجيل في «مشروع مانهاتن» لصنع قنبلة ذرية اميركية. تمخَّض المشروع عن صنع القنبلتين النوويتين اللتين أُلقِيَتا على اليابان، على رغم أن الحرب كانت قد حُسِمَت عملياً. وعاش أينشتاين ليشهد بنفسه نتيجة نظريته الخطيرة. وقد أعرب أينشتاين عن ندمه على الرسالة الأولى بعدما رآه من نتيجتها، فكتب رسالة أخرى يطالب فيها الرئيسَ بعدم استخدام السلاح الذري. ومما قاله: «ارتكبت أعظم أخطاء حياتي عندما أرسلت إلى الرئيس روزفلت شارحاً له فكرة القنبلة النووية... ولكن التبرير الوحيد الذي يعزيني هو أن ألمانيا لن تفعلها».

ومن أكبر المفارقات في هذا المجال أنني قرأت أن العلماء الألمان الذين كانوا أول من اكتشف الانشطار النووي لم يفكروا البتة في وضع أبحاثهم العلمية لاستخدامها في أغراض حربية.

إذاً، ما فائدة هذا العلم إذا لم يسخر في ايقاف شرور الحروب والمساهمة في وجود وبناء العالم الذي تسوده العدالة ويسوده السلام. حين سئل أينشتاين عن الحرب العالمية الثالثة قال: « أنا لا أعرف السلاح الذي سيستخدمه الإنسان في الحرب العالمية الثالثة، لكنني أعرف أنه سيستخدم العصا والحجر في الحرب العالمية الرابعة.» ومن أقوال أينشتاين الشهيرة أيضاً أن «شطر الذرة وتجزئتها، اسهل من اقتلاع حكم مسبق من عقل الإنسان».

وكما كتب الدكتور محمد محمود غالي في بحثه حول «مستقبل البشر بعد انقسام نواة الذرة: «لا بد من مبادراتٍ من أجل التعبير عن رفض العلماء لاستخدام العلم ونتائجه استخداماً يهدِّد الإنسان ويهدِّد الحياة. لقد كان التحول في القنابل النووية فجائياً وسريعاً، فلم يحاول الإنسان السيطرة عليه لاستخدامه في غير التدمير. إن مهمة العلماء اليوم هي التحكم في الطاقة النووية وتحويلها لمصلحة البشرية. وبات معروفاً كنتيجة لنظرية أينشتاين النسبية أن في مقدرة الإنسان المفكر إعادة المادة إلى طاقتها الأولى في الكون بمعرفته لنواتها واقتحامه هذه النواة، هذه المادة كما يراها العلماء المحدثون، كنز من الأزل وهدية من العصور الغابرة لا يعادلها أي كنز في قيمته، أو في خطورته، وعلى الإنسان أن يختار طريق استخدامها، إما لحياة سعيدة على الأرض، وإما لفنائه وفناء الأرض».


ـ عضو اللجنة الادارية في الجمعية المعلوماتية السورية