ما يمكن استخلاصه من أحداث بلدة المدائن العراقية ان الاحتمالات زادت كثيراً لتحول اي حادث فردي او خلاف او شجار توتراً مذهبياً يصل الى احتجاز رهائن وتهجير وربما عمليات قتل.

في مثل هذه الاحوال لا تهم كثيراً النواحي الجنائية، لان أي حادث بات يشد الى التآزر المذهبي او القومي، مهما كان بسيطاً وبغض النظر عن المسبب فيه. وهذا يعني ان عناصر هذه النزاعات غير المنتشرة سابقاً نشأت وترعرعت وازدادت اتساعاً، وصولاً الى التحكم بالعلاقة بين المذاهب والقوميات، بسبب الاوضاع التي شهدها البلد منذ بداية الاحتلال. وكذلك في ظل النهج الذي جرت فيه إعادة تركيب النظام، وفي ظل طغيان نزعة ثأرية ضد مكونات النظام السابق والجمهور الذي عاش في كنفه.

صحيح لم يكن ممكناً لهذا النهج ان يتميز بالحدة والاستئصال، ما لم تقدم له مجموعات القتل والارهاب، باسم الدفاع عن السنة، المبررات، خصوصاً ان هذه المجموعات تقصدت اعطاء أوسع ضجيج ممكن لمواقفها المكفرة للشيعة وائمتهم، وعندما تستهدف جموعهم. لكن بات واضحاً لكل متتبع للوضع العراقي ان مثل هذه المجموعات تتسع وتنتشر في ظل التأزم الطائفي وفي ظل غياب الدولة والامن، وان استراتيجيتها هي الوصول الى وضع تصبح فيه الناطقة باسم السنة والحامية لهم في مواجهة الاحتلال الذي تقول انه يستهدفهم وحدهم، بالتحالف مع الشيعة والاكراد.

وتزداد فرص نجاح مثل هذه الاستراتيجية في مقدار استمرار نهج الاستئصال الذي بدأ مع الحاكم الاميركي الاول بول بريمر، واستمر بتلاوين اقل حدة في مناقشات الدستور الموقت ومجلس الحكم، مروراً بالمرحلة الانتقالية وحكومتها، وصولاً الى الانتخابات الاخيرة وتحالفاتها ونتائجها. اذ لم يظهر المنتصرون في الانتخابات اي اهتمام بالتوازن الداخلي عندما رفضوا تأخير عملية الاقتراع، من أجل تشجيع أوسع الفئات السنية للمشاركة فيها. ولم يعتبروا أنفسهم مضطرين الى الأخذ في الاعتبار ان النتائج التي انتهى اليها الاقتراع لا تعكس الثقل الفعلي لكل الاطياف. اي جرى التعامل مع المقاطعة السنية بصيغة الغالب والمغلوب، كما ظهر من مداولات تشكيل مجلس الرئاسة والحكومة.

يمكن الافتراض، نظراً الى طريقة التطويع في الاجهزة الامنية والشرطة، ونظراً الى المواقف السياسية للمسؤولين الجدد والاتجاه الاميركي الى إعطاء دور اكبر للقوات العراقية، ان الاحتكاكات ستزداد بين أدوات الدولة الجديدة وبين السكان في المناطق السنية حيث يتخذ مسلحو الزرقاوي ملاذات لهم.

والجديد في الامر ان المعارك السابقة خاضتها في الاساس القوات الاميركية، بما كان يعطيها طابع مواجهة الاحتلال، كما حصل في الفلوجة. اما اليوم، ومع تشكيل حكومة جديدة برئاسة شيعي، ومع احتمالات ازدياد مشاركة القوات العراقية في المعارك، فان المواجهة ستأخذ طابعاً طائفياً، بغض النظر عن الاسباب والنتائج.

قد يكون مثل هذا السيناريو هو الاسوأ بالنسبة الى مستقبل التعايش في العراق. واللجوء الى الحلول الامنية هو اقصر الطرق الى تحوله واقعاً.

وبغض النظر عن النيات والقيمة الرمزية لتولي جلال طالباني الرئاسة وابراهيم الجعفري رئاسة الحكومة، بدا التحالف بين لائحتي الاكراد والشيعة، بمثابة محدلة تطحن ما عداها، من فئات عراقية أخرى سياسية (من ليبراليين وديموقراطيين ويساريين) وعرقية (من آشوريين وتركمان) ومذهبية. خصوصاً عندما أظهر الطرفان ان المفاوضات تهدف الى التقاسم اكثر من كونها تهدف الى إعادة تصحيح التمثيل بما يطمئن السنة، وغيرهم، الى انهم ما يزالون يشكلون طيفاً أساسياً في البلد ويمكن ان يساهموا في النظام الجديد.