تعجبت كثيرا من مقال الأسبوع الماضي للأستاذ فهمي هويدي عن اليمن، ولم يكن مصدر العجب اهتمامه بالبلد العربي، قدر العجب من عجبه من حالة الحرب غير المعلنة بين السلطات اليمنية وطائفة «الحوثيين» الأصولية، ودعوته للتدخل العربي الرسمي أو الأهلي لحل الصراع الدامي. فما جرى ويجري بطول العالم العربي وعرضه خلال العقود الثلاثة الأخيرة لا يزيد ولا ينقص عما جرى ويجري في اليمن; فقد تختلف المشاهد، وتتنوع الأحداث، ويأتي ويذهب الأبطال من كل نوع وشكل ولون، ولكن الحقيقة الباقية تكون دوما هي خروج الأصولية الدينية الراديكالية والمعتدلة على الدولة المعاصرة وهز شرعيتها وكيانها بقوة السلاح.
وللحق فإن الدولة العربية المعاصرة قد واجهت بعد الاستقلال من الاستعمار تحديات متنوعة لشرعيتها وقدرتها، جاء بعضها من أشكال مختلفة من التدخل الأجنبي العنيف وغير العنيف، وجاء أكثرها من نخب الاستقلال الثورية الحاكمة التي راحت تحت شعارات قومية وثورية وراديكالية تسحق العلاقة بين السلطة السياسية ومواطنيها وببساطة جوهر وجود الدولة ومبرر القبول بها. ولكن كل ذلك كان ممكنا ـ كما جرى في كثير من بلدان العالم الثالث ودول أوروبا الشرقية ـ أن يكون فصلا من فصول التاريخ التي بعدها تأتي الثورات الديموقراطية لكي تعيد القبول بالدولة وسلطاتها إلى قواعدها المؤسسية، وفي كل الأحوال تبقى شرعية السلطة هي التي موضع الاختبار أما شرعية الدولة فتظل دائما فوق الشكوك والتساؤلات.
ولكن منذ السبعينات بدأت الأصوليات الدينية الإسلامية في هز كيان الدولة العربية، مرة باسم الخلافة الإسلامية في فقه المعتدلين التي لا يصح بعدها دولة ولا كيان سياسي، ومرة بربط شرعية الدولة بتطبيقها للشريعة الإسلامية بأقصى درجات التشدد، ومرة بإنشاء الدولة الجهادية التي لا تصح أحوالها ما لم تكن لها معركة في فلسطين أو في مدريد أو في واشنطن أو في القاهرة تقود في النهاية إلى تغيير العرب والمسلمين والعالم.
وأيد كل هذه الأفكار جماعة من الكهنة الذين فتحوا حدود الحكمة لكي تخلط ما بين الإرهاب والمقاومة حتى اختلط الجهاد الافغاني والجهاد الفلسطيني بأنواع مختلفة من الجهاد وصل بعضها إلى مكة المكرمة وبالقرب من حوائط الأزهر! مرورا بعواصم وحواضر عالمية وعربية. وبعد أن نجح الكهنة في نشر أفكارهم عبر الصحافة والكتابة والقول وبدأت الدولة العربية في الانشقاق والانهيار خرجوا على الناس يتساءلون عن تدهور الأحوال، والصمت العربي عن الكوارث العربية، وقدموا الدعوة للحوار بين الدولة ومن رفعوا السلاح ضدها مرة لأن المسألة فيها سوء تفاهم، ومرة اعترافا بالأمر الواقع وحق الجماعات والفرق في حمل السلاح، ومرة لأن الفرق الإسلامية المتنوعة تقوم بمهمة تاريخية هي المقاومة.
الأمثلة كثيرة وتاريخها طويل، وعندما خرجت الجماعات «الجهادية» في مصر على الدولة وجدت من يبرر وجودها باتفاقية السلام مع إسرائيل، أي بنزع حق الدولة في اتخاذ القرارات السيادية، وحقها في اتخاذ قرارات الحرب والسلام. ولم يكن ذلك خلافا في السياسة ولكنه خلاف في شرعية الدولة وحقها في اتخاذ القرار، بل وحقها في حمل السلاح. وأيامها جاءت الدعوة بضرورة الحوار مع جماعات «المجاهدين»، أو على الأقل مراعاة خاطر المعتدلين واقتسام السلطة معهم، أو تغيير المجتمع على طريقتهم حتى يتم رفع السيوف عن رقاب العباد ومؤسسات النظام السياسي. وتكرر الأمر بعد ذلك في الجزائر، وكانت الحجة هذه المرة منطقية وهي عدم احترام الديموقراطية ونتائج انتخابات عام 1992، ولكن لم يكن مفهوما أبدا كيف يكون قتل 180 ألف جزائري عودة إلى الديموقراطية، ولماذا تم الاحتجاج بهذا العنف على تزوير إرادة الشعب في الجزائر بينما كانت عمليات التزوير تجري بطول العالم العربي وعرضه دون إطلاق رصاصة واحدة حتى في بلاد كان الرئيس يحصل فيها على نسبة 100% من عدد الأصوات. فالقضية لم تكن أبدا الديموقراطية وإنما الدولة العربية الحديثة، وفي العراق كان العنف البعثي كافيا للانتظار حتى تتم وراثة الدولة كلها من خلال قوات مسلحة تكون مهمتها جز رقاب ما تبقى من سلطات الدولة مع معارضة واضحة لحكم صناديق الانتخاب.
فتش في البلاد العربية والإسلامية وسوف تجد الأصولية الإسلامية تدمر الدولة من أصولها، فأخذت دولة كاملة مثل أفغانستان وتم تدميرها قطعة قطعة، مرة بالتحرير، ومرة بالحرب الأهلية، ومرة بالحكم الطالباني، ومرة باستضافة جماعات أصولية أكثر عنفا وتشددا أدت عملياتها الجهادية إلى احتلال البلاد كلها. وأخذت دولة كاملة في إيران وأفقدتها عقودا من التنمية، وأقامت داخلها من الأحقاد العرقية والطائفية ما يرشحها للانفراط الذي لا يمكن منعه إلا بحالة من الطغيان المذهبي جعل حتى فكرة الإصلاح الخاتمي شكلا لا يمكن قبوله. وأخذت دولة كاملة هي السودان وقطعت فيها الشمال والجنوب بين مسلمين ومسيحيين، وكأن ذلك لم يكن كافيا وتقليديا بما فيه الكفاية فراحت تقسم غربه بين عرب وأفارقة، كما فعلت تماما في العراق بين سنة وشيعة، وبين سنة أكراد وسنة عرب.
وحتى في الدول العربية التي جعلت من الدين الإسلامي مصدرا للشرعية نتيجة غياب دستور علماني واعتبار القرآن دستور الدولة، أو نتيجة الاستناد إلى أصول هاشمية تاريخية، فإنها لم تنج من محاولات تقويض الشرعية ليس بالسياسة أو رفض ما هو قائم، وإنما من خلال الإرهاب المسلح. ولم يكن الإرهاب الذي جرى في السعودية والمغرب وغيرها راجعا لسوء توزيع الثروة والسلطة، وإنما كان راجعا لأن الدولة الحديثة لم يعد ممكنا القبول بها. وفي اليمن عرفت البلاد الحرب الأهلية بين الجمهوريين والملكيين، والحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، ولكن الحرب الأولى كانت حول شكل النظام السياسي، والحرب الثانية كانت حول الاختيار المذهبي، وسواء كان الأمر في الحالة الأولى أو الثانية فقد كان الولاء للدولة باقيا من جميع الفرقاء. أما هذه المرة فإن الأمر ليس مذهبيا أو متعلقا بنظام الحكم وإنما يتعلق بشرعية الدولة وبقائها وولاء مواطنيها وهل يكون للعلم أم للفكرة الأصولية؟
مرة أخرى فإن هناك أسبابا كثيرة لأزمات الدولة العربية، يعود بعضها للتدخل الأجنبي وبعضها الآخر للديكتاتورية والطغيان، ولكن مكافحة هذه الأسباب تدخل فى باب الاستقلال الوطني والحفاظ عليه، أو النضال من أجل الحرية والديموقراطية. ولكن معركة الأصولية الدينية معركة أخرى فإنها معركة وجود الدولة وشرعية وجودها من الأصل لأن الفضاء السياسي للدولة محدود، والفضاء السياسي للأصولية مطلق. وما بين المحدود والمطلق توجد واحدة من أهم معارك العرب السياسية، ومن يحب اليمن واليمنيين، عليه أن يقف مع الدولة التي لها وحدها الحق الشرعي في حمل السلاح وعندما توجد الدولة تصبح الديموقراطية حقا وواجبا. تلك هي القضية!













التعليقات