ذهب رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون الى الولايات المتحدة وعاد. وخلال اسابيع سيقوم بنفس الامر الرئيس الفلسطيني محمود عباس. فماذا سيحدث بعد؟
اين نحن الان تقريبا بعد نصف عام من وفاة الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي كان يعتبره البعض سببا لعرقلة عملية السلام؟ اننا لانزال على المسار على الرغم مما قد يبدو عليه الوضع في ظاهره.
كلا الجانبان يذكر انهما محبطان. فاسرائيل تلقي باللائمة على عباس في عدم تفكيك البنية الاساسية لما تصفه بالارهاب. والفلسطينيون يهاجمون شارون لعدم الانسحاب السريع من الضفة الغربية وللتخطيط لمستعمرات جديدة وللافراج عن عدد من المعتقلين الفلسطينيين اقل بكثير مما يطالبونه به.
الواقع ان الزعيمين يسيران على حبل مشدود جدا بين قطاعات مهمة من شعبيهما وهي الاطراف المتشككة في عملية السلام وفي اي وعود يقطعها اي جانب من ناحية وبين قطاعات اخرى من شعبيهما ومن المجتمع الدولي والرئيس بوش على الجانب الاخر الذين يطالبون بالمضي قدما في العملية. والمثل الاميركي القائل بان كل السياسة محلي يبدو حقيقيا في الشرق الاوسط.
ان شارون فقد جزءا كبيرا من قاعدته الانتخابية في جناحه اليميني المتشدد وهو يحافظ على وضعه من خلال الناخبين من الجناح اليساري الذين كانوا ينظرون اليه الى عهد قريب على انه تجسيد لكل شئ خطأ في السياسة الاسرائيلية. كما ان على شارون ان يظهر ايضا لاحزاب الوسط واليمين المعتدل من الاطياف السياسية الاسرائيلية انه لم ينضم كلية لمعسكر السلام لخصومه وانه لايزال مع الاستعمار في الضفة الغربية. كما انه ذاته متشكك بشكل طبيعي في الوعود الفلسطينية ولايرهق نفسه بتفهم مصاعب الفلسطينيين. وقد اثار الانسحاب من غزة المقرر ان يتم هذه الصيف المشاعر بدرجة تفوق بكثير ما كانت عليه في عام 1995 قبل اغتيال رئيس الوزراء السابق اسحاق رابين.
الرئيس عباس من جانبه هو زعيم جديد نقاط قوته هي نفسها نقاط ضعفه فهو ليس ياسر عرفات. فبكل المؤشرات فانه يقبل تماما بفرضية ان العنف الفلسطيني في الاطار الحالي يأتي بنتائج سلبية. ومع ذلك فان شرائح كبيرة من المجتمع الفلسطيني تتماثل مع الفصائل الاسلامية التي كانت حتى وقت قريب تقوم بعمليات فدائية ضد المدنيين والجنود الاسرائيليين على حد سواء والتي لاتعترف بالدولة اليهودية.
وهو يدرك انه لو حاول تفكيك هذه الفصائل فان النتيجة سوف تكون حربا اهلية عاجلة والتي قد لايكسبها بالضرورة. ويحاول عباس اقناع الناخبين بدلا من مهاجمتهم. بيد ان ذلك يعتمد على برهنته بانه يستطيع الحصول على تنازلات من اسرائيل عبر الوسائل السلمية تزيد على ما يمكن للمسلحين تحقيقه عبر العنف الذي يهددون بتجديده. وحتى الان فان التنازلات من اسرائيل ليست كبيرة.لماذا يوجد اذن مساحة للتفاؤل؟

الحقيقة ان الانتفاضة والتفجيرات الانتحارية وعمليات القتل المستهدفة في السنوات الاربع الماضية لم تحقق شئيا كما تظهر للشعبين ان العنف من السهل تفجره مجددا ويستمر الى ما لا نهاية.
من المفارقات ان عناصر رئيسية في كل جانب تشعر ايضا انها اثبتت قدرتها على النجاة مما يتصورونه على انه محاولات لاذلال بلدهم. وهذا التصور يمكن ان يؤدي الى احد اتجاهين اما (اننا نستطيع التصدي لاي شئ يقومون به ضدنا) او(اننا نستطيع تحقيق السلام من خلال القوة). تؤكد حماس ودعاة الاستعمار الاسرائيليين على الاتجاه الاول بينما يضغط عباس وشارون في الاتجاه الثاني.
وفي الوقت الذي يبدو فيه ان الرئيس بوش سيتدخل بشكل مباشر يكون هناك شئ يمكن ان يبقي الطرفين على المسار. فمشاركة اميركية نشطة في العملية امر ضروري. ففي الوقت الذي لاتحب او ترغب او حتى تحترم غالبة دول العالم الرئيس الاميركي الا انها تدرك ان بوش هو الشخص الوحيد الذي لديه فرصة للتوسط لتحقيق السلام. كما يدرك زعماء البلدين ايضا ذلك ولايمكنهم تجاهل ضغطه.
سوف تستمر اسرائيل في الاعتراض على صبر عباس على مع ما يوصف بالارهابيين. وسوف يستمر الفلسطينيون في العمل بعنف ضد المستعمرات. وبالطبع فان العملية قد تنهار في النهاية سواء عمدا او مصادفة. غير انها ليست بالهشاشة التي تبدو عليها.
ثمة طريق طويل امام السلام وسوف يشكو الطرفان بمرارة طوال هذا الطريق. والعنف لن يتوقف لكن ثمة فرصا جيدة بان العملية يمكن ان تستمر وان دولة فلسطينية يمكن ان تأتي للوجود وشكل من السلام الحلو المر او اللذيذ المؤلم يمكن ان يتحقق.
ربما لايكون ذلك بالامر الحتمي لكن من خلال المقارنة بالسنوات الاربع الاخيرة ـ او بالسنتين الاخيرتين ـ فانه شئ نصلي من اجله ومع المثابرة يمكن بالفعل ان يستجاب دعائنا من اجله.


ـ استاذ مساعد في معهد الشرق الأوسط في واشنطن ومشارك في كتاب (التواريخ المشتركة: حوار فلسطيني إسرائيلي)
خدمة كيه ار تي خاص بـ(الوطن)