أن تولد «قوة ثالثة» للشيعة اللبنانيين مكسب لهم وللبنان وللمنطقة كذلك.
ولنقل، بادئ ذي بدء، ان الشيعة في لبنان ربما كانوا اكثر طوائفه انطواء على التعدد. يعرف هذه الحقيقة كل من يعرف الجنوب والبقاع، وجبيل والضاحية الجنوبية أيضاً. وهي، فضلاً عن تعدّد الأفكار والمواقع الاجتماعية، تلحّ في رفض أحادية التمثيل، أو حتى ثنائيته الحصريّة، إلحاحها في رفض الإجماعات السياسية والايديولوجية التي تتأتّى عن اختزال التمثيل قسراً.
والشيعة هكذا كانوا قبل أن يدبّ دبيب النزاع الأهلي - الإقليمي، فتوزّعت ولاءاتهم بين زعماء كثيرين، وظل دائماً هامش، لم يكن ضيقاً، للقوى الحديثة والحزبية واليسارية وغيرها. حتى التيار الذي أسسه الإمام موسى الصدر، أوائل السبعينات، حاول، قبل أن تجرفه ريح الحرب وينجرف فيها، أن يحتوي تعدد الطائفة في داخله بحيث تلتئم، ضمن حركة شعبية واحدة، قوى واتجاهات وأشخاص لا يعوزهم الإختلاف والتنافر.
وما يضاعف المعنى الحديث لـ «التعددية» التي يشي بها «اللقاء» الأخير اشتماله على فعاليات ثقافية ومهنية واقتصادية هي لطائفتها مثل شبان «ساحة الشهداء» لطوائفهم، داخلية وخارجية في آن معاً. وليس بلا دلالة، بالمعنى هذا، أن تحتضن «العاملية» اللقاء المذكور، هي التي جسّدت إحدى أبكر المحاولات الشيعية لبناء مؤسسة حديثة، تعليمية ومدينية.
والحال، من جهة أخرى، أن الشيعة اللبنانيين امتلكوا، تقليدياً، رابطة نموذجية مع الخارج. ذاك أن علاقتهم القديمة والوثيقة بالعراق، أو بإيران، كانت دائماً ثقافية وروحية، وقد تأدّت عنها صلات ومصاهرات وانتقال في مواقع الإقامة، إلا أنها لم تكن أبداً سياسية. فلم يظهر، مطلقاً، في التاريخ الشيعي اللبناني من يدعو الى «وحدة» مع العراق، دع جانباً إيران، تبعاً لرابطة المذهب. بل لم يظهر ما هو أقل من ذلك مما يتعدى الجوانب الثقافية والروحية، والحضارية بالمعنى العريض للكلمة. وبالمعنى هذا، ترهص «القوة الثالثة» بإعادة اعتبار لتلك السمة في تاريخ اللبنانيين الشيعة. لكنها، بترسيمها الخط الفاصل بين السياسي والثقافي - الروحي، تمهّد لموازنة لم تكن دائماً سهلة بين إحراز المكاسب والتمسك بالتعايش، وبين أن تكون الطائفة المعنية أكبر طوائف البلد وأن تكون، في الوقت نفسه، ذات حسّ أقلي وديموقراطي تمليه، بين أمور أخرى، طبيعة الوطن وتركيبه.
وشيعة «القوة الثالثة» يملكون، في آخر المطاف، تقديم نموذج شيعي مغاير على صعيد المنطقة. فهو ليس، بطبيعة الحال، النموذج الخميني الإيراني، ولا يزال طرياً في الذاكرة الإحباط الذي ضرب المحاولة المبكرة لـ«حزب الله» في إقامة «جمهورية إسلامية» في لبنان. غير أنه ليس، أيضاً، نموذج الشيعة العراقيين ممن اضطرتهم وحشية صدّام حسين الى طلب الخلاص، أو ما تراءى لهم كذلك، عبر الاحتلال. وإذا أضفنا ذواء المحاولات الحزبية والراديكالية التي منحها الشيعة بعض خيرة شبّانهم، تراءت عناصر نموذج لبناني يلعب فيه الداخل دوراً ملحوظاً في تغيير يفضي الى تطوير حياة سياسية، سيدة وديموقراطية، لا تصير هكذا من دون الإسهام الطليعي للشيعة.












التعليقات