ديفيد إدواردز:
لم يلبث رئيس الوزراء البريطاني توني بلير إلا قليلاً بعد تبوئه المنصب في عام 1997 حتى راح يعلن قائلاً: “سوف نجعل من صيانة حقوق ورفع رايتها والذود عن حماها الركن الأساسي في سياستنا الخارجية”.
وصدقته الصحافة، وانطلت الخدعة على الإعلاميين، أو أنه هكذا بدا الحال يومها، فسارعت “الأوبزرفر” الى شرح الكيفية التي سيقوم بها بلير بالدفع باتجاه صياغة “قواعد جديدة لحقوق الإنسان تشيع في جميع ربوع العالم”. وتبني وتطبيق “إجراءات وقيود صارمة على مبيعات الأسلحة” فاستبشر الناس خيراً وانتعشت الأحلام.
وبعدها بعامين، وفيما انهمك بلير في الإعداد لقصف صربيا بالقنابل، أكد وجدّد التزامه “بدولية جديدة” سامية المثل، دولية لا مجال فيها للتسامح في مسألة “الاضطهاد والقهر الوحشي لمجموعات عرقية كاملة”، وحيث لا تهاون البتة في قضية حقوق الإنسان. وأطربت هذه الكلمات اندرو مار، الذي أصبح اليوم المحرر السياسي لهيئة ال “بي بي سي”، فكتب يقول عن بلير: “لطالما بهرني هذا الرجل وكان يترك فيّ على الدوام انطباعاً رائعاً، لكن إحساساً طفيفاً بالذعر يساورني أيضاً، ومردّه الى افتقاره التام الى التشكك”.
ما إن نلتفت الى أحداث أقرب إلينا زمنياً حتى تتلاشى كل مصداقية بلير.
ففي مارس أوردت الصحافة تقريراً عن أن الولايات المتحدة وافقت على بيع 24 طائرة نفاثة مقاتلة من طراز “إف 16” الى باكستان، وهي قوة نووية، فكتب السيناريو الأمريكي لاري بريسلر في صحيفة “النيويورك تايمز” يقول: “باكستان... بلد ينخره الفساد حتى النخاع ويسوسه طاغية يحكم بديكتاتورية مطلقة. ولباكستان سجل مخيف حافل بالفضائع وانتهاكات حقوق الإنسان والاضطهاد السياسي والديني”. ويرى بريسلر أنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تدعم عوضاً عن ذلك منافسة باكستان الإقليمية وعدوتها التاريخية، الهند. لكن الدعم الذي تحظى به الهند في الحقيقة مهول هو الآخر بالفعل.
أعلنت “بي ايه اي” البريطانية العملاقة لأنظمة الطائرات في سبتمبر/ أيلول من عام 2003 عن بيع 66 طائرة “هوك” نفاثة الى الهند ضمن صفقة تبلغ قيمتها مليار جنيه استرليني، وأعلن عن أن طائرات “الهوك” هذه سوف تستخدم للتدريب الطيارين الهنود على الطيران بطائرات نفاثة أشد قوة، بما فيها طائرات “بي إيه اي جاغوار 126” القاذفة التي يجري بناؤها بترخيص ولها قدرات نووية. وبالطبع فإن الهند كما هو معروف لديها أسلحة نووية.
وطائرات “الهوك” هذه أكثر من مجرد طائرات تدريب. فهذه الطائرات النفاثة يمكنها أن تحمل مدفعاً من عيار 30 مم، إضافة الى حمولة تصل الى 3 آلاف كلج من أسلحة متنوعة، تشتمل على صواريخ جو جو وقنابل موقوتة، وأخرى تسقط سقوطاً حرّاً، وقنابل تدمير المدرجات وقنابل مضادة للأفراد، وقنابل مضادة للدروع، وأخرى عنقودية.
ولا بد أن نعيد الى الأذهان هنا أن الحكومة الهندية التي تتلقى هذه الطائرات النفاثة قد سبق لها أن خاضت ثلاث حروب مع باكستان على مدى السنوات الستين الماضية. وفي ديسمبر/ كانون الأول من عام 2001 لاح في الأفق تهديد خطير باندلاع صراع آخر. وكانت الحرب قاب قوسين أو أدنى، وتدهور الوضع الى درجة كتب معها الصحافي الباكستاني أحمد رشيد يومها في “الديلي تلجراف” بتاريخ 15 مايو/ أيار 2002 ما يلي: “ليس هذا استعراضا، فنحن على شفا حرب نووية، لقد شهدت الهند وباكستان نزاعات من قبل، لكن لم تلح من قبل قط نذر كارثة مريعة وشيكة كما تلوح اليوم”.
وفي وقت لاحق من ذلك العام، وفي عزّ تفجر الأزمة جرى تقديم “ساعة يوم القيامة” الشهيرة، التي يشرف عليها ويصدر نشرة عنها علماء الذرة البريطانيون، لمدة دقيقتين نحو منتصف الليل. ووصف المحلل الاستراتيجي مايكل كريسبون الأيام الختامية من عام 2002 بأنها: “أخطر حقبة زمنية يشهدها العالم منذ أزمة صواريخ خليج الخنازير في عام 1962”. وكان الهاجس الأكبر في هذه الأزمة التخوف من “انتشار نووي غير مستقر” في مناطق تضم شبه القارة الهندية.
يلقي تسليح بريطانيا للهند بأضواء كاشفة وطريفة على ما وصفه صحافي “الجارديان” تيموثي جارتون آش بأنها “روح بلير الجلادستونية القوية وغرائزه التي تدفعه الى التدخل الانساني”. وفي نهاية المطاف أبدت صحيفة “الاندبندنت” ملاحظة في أغسطس/ آب من عام 2003 فقالت:
“تأتي هذه الصفقة بعد مساع حثيثة وضغوط مارستها الحكومة البريطانية وشارك فيها بالتناوب رئيس الوزراء توني بلير ونائب رئيس الوزراء جون بريسكوت، ووزير الدفاع جيف هون ووزير الخارجية جاك سترو وذلك لإقناع الهنود بشراء الطائرات النفاثة هذه”.
وفي وقت لاحق من ذلك الشهر أورد اتحاد الصحافيين أن بريطانيا واصلت منح تراخيص تصدير الأسلحة الى الهند وباكستان كليهما طيلة فترة تصعيد التوتر الذي كان مرشحا للانفجار في أي لحظة. وبعدها بسنة، كان سترو نفسه ضالعاً في عملية “الضغوط الشديدة” من أجل تمرير مبيعات الأسلحة التي تسهل نشوب حرب نووية. لقد بلغ مبلغاً من النفاق لا يصدق.
فبريطانيا، إذن، تقوم بتسليح الهند بقاذفات مقاتلة تتمتع بقدرات حمل رؤوس وقنابل نووية في منطقة من العالم وقفت على شفير الحرب النووية أخيراً. وفي غضون ذلك، تتولى الولايات المتحدة تسليح خصم الهند النووي وعدوها التاريخي، الباكستان، وتمدّه بعشرات الطائرات المقاتلة، فكيف تناول الإعلام هذا؟
في الثالث من سبتمبر/ أيلول من عام 2003 أورد برنامج هيئة الإذاعة والتلفزيون البريطانية ال “بي بي سي” في نشرته الإخبارية الرئيسية خبر بيع طائرات “الهوك” ولم يتطرق أحد لأي نقاش حول أي قضايا أخلاقية.
يمكن تصورها في هذا السياق وفي ما يتعلق بهذه الصفقة. لم يرد ثمة ذكر، مجرد ذكر لمدى اقتراب الهند وباكستان من حافة الحرب النووية في السنة السابقة، رغم أن ال”بي بي سي” قد أوردت هي ذاتها تقارير عدة وتناولت الحدث وغطته وعرضت صورة عن الأزمة الخطرة التي استمرت لأسابيع عدة في عام ،2002 ووصف صحافيو ال “بي بي سي” طائرات الهوك تلك بأنها مجرد طائرات “تدريب”، وذلك من دون أن يذكروا قط أن الطيارين الهنود سوف يستخدمون هذه الطائرات ليحملوا على متنها أسلحة وقنابل نووية.
* كاتب ومحلل سياسي، ورئيس تحرير “ميديا لينس”










التعليقات