ربما يجوز لي ان اعتبرها رحلة ترميم العلاقات المكسورة. ها هي تعود بشكل قوي في رحلة الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ولي العهد السعودي، الأمر الذي لا يسر البعض، خاصة الذين راهنوا على ان العلاقة مع الولايات المتحدة فسدت الى غير رجعة. الذي حدث ان الجانب الاميركي هو الذي اراد تصويب الامور من جديد داعماً السعودية في واحد من اهم مطالبها، ومبديا رغبته في اعادة الحياة الى العلاقة التعليمية والاقتصادية.

في زيارته الحالية الى تكساس تلبية لدعوة الرئيس الاميركي جورج بوش، كانت ضمن محادثات الامير عبد الله القضايا الثقيلة التي تهم العالم كله لا منطقتنا وحدها، فلسطين والعراق ولبنان والإرهاب. وكانت هناك، أيضا، مسائل اخرى مهمة للبلدين ثنائيا. قلة كانت تتصور ان اميركا ستكون الداعم الرئيسي لانضمام السعودية الى منظمة التجارة العالمية، التي تعطلت اوراقها لسنوات لأسباب مختلفة. في زيارة الامير عبد الله وافق المضيف الاميركي على تلبية طلبه وبات التحاق السعودية بالمنظمة مؤكدا.

لم يكن سهلا تجاوز هذه العقبة، رغم جهود سنوات خمس ماضية، حيث يتطلب الانضمام تأييد عدد من الدول، الا ان تأييد واشنطن اكثرها حسما. معادلة السعودية كانت صعبة، فهي دولة كبرى في الانتاج النفطي وكبيرة في تمويل الاسواق العالمية بالمنتجات البتروكيماوية. في بيته الريفي الرئيس وافق بوش على اختصار الوقت والمسافة ولبى طلب الامير عبد الله، وصار دخول السعودية منظمة التجارة العالمية تاريخا جديدا.

وللتأكيد على تعافي العلاقة، المتوترة سابقا، فان الجانب الاميركي هو الذي طلب تسهيل عودة الحركة التعليمية الى الجامعات الاميركية التي لعبت دورا فعالا في تنمية السعودية في الماضي، لكنها تقلصت كثيرا بسبب احداث 11 سبتمبر، وما تبعها من تضييق امني ضد الطلبة. وينسحب الأمر ايضا على نشاطات رجال الاعمال التي تراجعت هي الأخرى، واختفت نشاطاتهم المشتركة الا من لقاءات محدودة عقدت برعاية رسمية.

ولأن الاميركيين عمليون بطبعهم، وسياستهم تقوم على خدمة المصالح، فقد أصلحت الزيارة ما افسدته الاحداث الارهابية، التي استهدفت البلدين، ومن نفس المصدر. واشنطن تعلم، الآن أكثر من أي وقت مضى، ان السعودية تلعب دورا اكبر في محاربة الارهاب فكريا وميدانيا، وتعلم ان السعودية تلعب دورا سياسيا اقليميا مهما في منطقة الشرق الأوسط، وتعلم أيضا انها تملك مفتاح اهم سلعة حيوية في العالم، النفط. وواشنطن، من خلال زيارة الامير عبد الله، قررت ان تكون مصالحة حقيقية تعيد المياه الى مجاريها بغض النظر عما يقال في الاعلام، وما يصدر عن بعض السياسيين الاميركيين، ورغم تحفظات الرافضين. وهي عودة تبدأ مرحلة جديدة في العلاقة بين البلدين التي كلما كانت قوية عززت الوضع العربي وأمنت على حقوقه.