تصفه الصحافة الغربية بأنه حارس المعبد، كما يتردّد أنه راديكالي متطرف وصاحب قبضة حديدية، ذلك بعض مما يُقال عن البابا الجديد بنديكت السادس عشر (جوزيف راتزينغر) الذي قرعت أجراس كنيسة القديس بطرس في الرابعة بتوقيت غرينتش يوم الثلاثاء الماضي معلنة للعالم اختياره خليفة للبابا الراحل يوحنا بولس الثاني.
هو ألماني الثقافة والهوى، إذ وُلد لعائلة بافارية عام 1927، وتفتحت عيناه على أب يعمل في جهاز الشرطة النازية. وربما أعانه ذلك لاحقاً من دون أن يدري على أن يصبح صاحب نفوذ واسع ورجل سلطة في مؤسسة لاهوتية، إذ يؤكد كثيرون أنه لعب دوراً حاسماً في اختيار البابا السابق. وربما كانت سطوته هي التي جاءت به إلى المنصب البابوي الذي لم يعد مجرّد زعامة روحية فقط، فالبابا لاعب سياسي مهم، والفاتيكان له بصمته البارزة على الحياة السياسية والاجتماعية في الغرب.
كتب راتزينغر، الذي كان مقرباً من البابا السابق وعميداً لمجمع الكرادلة، عدداً من الوثائق التي تطالب بتأديب وضبط علماء اللاهوت الكاثوليك الذين يقبلون الأديان الأخرى باعتبارها جزءاً من التصوُّر الإلهي للكون، بل يرفض اعتبار الكنائس غير الكاثوليكية كنائس شقيقة.
على هذا النحو، يعارض راتزينغر التقارب الذي تم في عهد البابا السابق مع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، وهو على رأس المنادين بالقطيعة مع الإسلام، لأن العلاقة بين الديانتين تنافسية على حد قوله. ويرى أن القداسة يجب أن تمتد حتى إلى البيانات العابرة للفاتيكان باعتبارها معصومة عن الخطأ، من دون غيره من المذاهب المسيحية، فما بالنا بالأديان الأخرى؟!
وفي إطار رؤيته لصراعِ مع الإسلام، يتحسر البابا الجديد على ما يعتبره انهياراً كاملاً للمسيحية في أوروبا يقابله تقدم للفئات المنافسة، لذلك فإن الكنيسة الكاثوليكية في حاجة إلى شخص قوي الإيمان يدفع أوروبا إلى الثبات على تعاليم الدين المسيحي، وإلا فإن المسلمين لن يستمعوا إلى القارة.
راتزينغر صريح ولا يخشى قول ما يعتقد أنه الحقيقة، لا يلجأ إلى المداورة أو المناورة، وربما هذا ما دفعه إلى إعلان موقف قاسٍ من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. فقد اعتبرها تمثل قارة مختلفة ومتناقضة مع أوروبا، وأنه من الأفضل لها أن تربط مستقبلها بالدول الإسلامية، لا أن تنضم لاتحاد جذوره مسيحية، وردّ رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي على ذلك بالقول إن الفاتيكان ليس من حقه أن يدلي بدلوه في هذا الأمر.
غير أن تطرّفه المسيحي جعله يقبل أن ترتدي المسلمات في أوروبا الحجاب إذا كان منعه سيمنع المسيحيات أيضاً من وضع الصليب. فعندما ثارت قضية ارتداء الحجاب في المدارس الألمانية، قال الرئيس الألماني يوهانس رو في حديث تلفزيوني: «إذا كان الحجاب يُعتبر تعبيراً عن الإيمان مثل لباس ذي طابع تبشيري، فإن ذلك يجب أن ينطبق أيضاً على الثوب الرهباني أو على الصليب».
تصريحات رو أثارت جدلاً واسعاً وجعلت راتزينغر يندِّد بالدروس الغريبة الصادرة عن رو. وأكمل أدموند شتوبير رئيس حكومة بافاريا ما لم يشأ راتزيغر التصريح به، فقال: يجب ألا يعيد رو النظر في هوية بلادنا المطبوعة بالدين المسيحي، فالحجاب رمز سياسي لا يتماشى مع ديمقراطيتنا.
لعب راتزينغر الدور الأكبر أيضاً في قمع لاهوت التحرير الذي تنامى في أميركا اللاتينية وافريقيا. فالـ بانزر كادرينال (إشارة إلى الدبابة الألمانية الشهيرة في الحرب العالمية الثانية) استخدم قبضة حديدية لإعادة ما اعتبرهم اكليريكيين ماركسيين إلى رشدهم.
لاهوت التحرير نزعة نشأت في أميركا اللاتينية ثم انتشرت في افريقيا والهند والفلبين وكوريا الجنوبية، واستلهمت الإنجيل منطلقة من وضع الفقراء والمضطهدين. كما حاولت التعرُّف مجدداً إلى شخصية السيد المسيح عبر النظر إليه من الإطار التاريخي لفلسطين إبَّان حياته فيها، وذلك سعياً إلى تطوير حياة روحانية تبرز حياة الفقراء. وانتقد مؤيدو لاهوت التحرير الكنيسة لأنها تواطأت مع سلطات قمعية في أميركا اللاتينية وفي بلدان العالم الثالث. وطرحوا رؤية تقدمية في مسائل كثيرة.
لكن راتزينغر اعتبر أن نظرة من هذا النوع تقود مباشرة إلى الإلحاد. وتدخل لمنع هؤلاء اللاهوتيين من التعليم والنشر كما دفع الفاتيكان إلى إصدار تعليمات بمنع أي شيء يتحدث عن نظرية التحرير اللاهوتية. وهرب مؤيدو النظرية بها إلى مراكز الدراسات والجامعات العلمانية إفلاتاً من سطوة راتزينغر والفاتيكان.
ومثلما أبدى راتزينغر قلقه الشديد من الصفاء الروحي الذي يمثله الإسلام في استيعابه وجذبه للمؤمنين، لأنه يناقض ما آلت إليه المثل الأخلاقية من ضياع في الغرب المسيحي، فقد وجد الماركسية تهمة مناسبة لأصحاب نظرية لاهوت التحرير، مما دفع البابا السابق عام 1996 أثناء زيارته إلى نيكاراغوا إلى القول: «إن نظرية التحرير فقدت أساس وجودها كون الماركسية قد ماتت!».
خلال الحرب العالمية الثانية، قطع راتزينغر دراسته اللاهوتية والتحق بوحدة مدفعية مضادة للدبابات تابعة للجيش النازي قرب ميونيخ، ثم انتقل إلى مصنع للدبابات قرب الحدود النمساوية ـ المجرية. وهناك روايتان عن خروجه من جيش هتلر، إحداهما تقول إنه فرّ منه عام 1945، والأخرى تقول إنه اعتُقل لفترة في مخيم للأسرى لدى القوات الأميركية.
المهم أن الأميركيين أطلقوا سراحه بعد أسابيع ليعود إلى السلك الكهنوتي الذي أوصله إلى إلقاء خطبته البابوية الثلاثاء الماضي والتي وصف نفسه فيها بأنه عامل متواضع وبسيط في حظيرة الله.
وضمن شخصيته كرجل دين محافظ أثار الغضب والفزع في أوساط غربية عدة، فقد طالب بحرمان كنسي للسياسيين الذين ينادون بحرية الإجهاض، وأوصى بمنعهم من تناول القرابين، كما أغضب المنظمات النسائية الغربية حينما اعتبر النسوية قاتلة.. تحجب الفروق الطبيعية بين النساء والرجال وتسيء للتصور المقدس للحياة.
واعتبر الحركات النسائية المتطرفة تعيش انحرافاً مزدوجاً. فقالت مارغو كسيمان الراهبة في الكنيسة الإنجيلية للوثرية بهانوفر إن موقف راتزينغر حماقة وإن الكنيسة الرومانية لا تريد الاعتراف بالظلم المسلّط من لدنها على المرأة لقرون عدة. كما وصفت صحيفة «واشنطن بوست» موقف راتزينغر من النساء بأنه آخر طلقة ضد من يختلفون مع تعاليم الفاتيكان وأنه لا يمت للواقع بصلة ولا يعكس إلا رأي النخبة الذكورية في الكنيسة.
المراقبون للشأن الكنسي يتوقعون أن يقود البابا الجديد الفاتيكان إلى طريق الراديكالية وأن الهوّة بين المؤمنين وقيادة الكنيسة ستصبح كبيرة وعميقة في عهده. لكن يبدو أن الصراعات التي سيثيرها الفاتيكان في عهده ربما تكون الملمح الأبرز، إذ ستساعد في إعادة تشكيل العالم ويروّج من دون أن يدري لخطر إسلامي متوهم يراه ساسة واشنطن وبابوية الفاتيكان دون غيرهم.













التعليقات