تقرير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية في العالم العربي قد يكون أهم ما صدر عن الأمم المتحدة منذ عقود. وهو جهد لا يمكن ان يحسب ضمن ما صدر عن الهيئة الدولية من باب تبعيتها لأمريكا. فهذا التقرير وضعه خبراء عرب وبمعايير علمية عالية. لهذا، ورغم التعديلات التي فرضت عليه كتسوية لإصداره، يبقي التقرير أهم وثيقة إصلاح صادرة من الداخل العربي ومن الجسم الدولي معاً، وليس من طرف أمريكا. ومن هنا، فإن هذه الوثيقة جديرة بأن تلقي اهتمام الشارع العربي، وان يبادر الإصلاحيون في كل قطر إلي إعطاء تعميمات الواردة في التقرير وجوهاً تطبيقية محددة كي نعرف ما الذي يحتاج لعمليات الترميم والتجميل. وهم إن لم يفعلوا متهمون بالتواطؤ مع الأوضاع القائمة طمعاً في مكاسب شخصية.. فالتعذر بأمريكا سقطت غلالته هنا عنهم، قبل ان تسقط عن حكوماتهم!! ولعل الإصلاحيين الأردنيين هم الأولي بهذا كون عمَّان رضيت ان يتم إعلان التقرير منها، مما يرتب علي الحكومة الأردنية ان تفتح المنابر للمصلحين وليس فقط لفريق الأمم المتحدة، لحظياً!!
أحد أهم الإعاقات للتنمية البشرية وللديمقراطية التي تعرض لها التقرير هو خرق الدساتير إن وجدت وكانت دساتير جيدة. وما سأعرض له هنا هو نوع او نهج رئيسي في هذا الخرق يمكن اعتباره نمطاً متكرراً في الأردن، بل والمرجح انه، ضمن تبادل خبرات القفز عن الدساتير والديمقراطية بين الدول العربية، جري أو سيجري اقتباسه.
الجاري حالياً عندنا، تحت شعار الإصلاح السياسي، هو إصدار أجندة وطنية تكون بمثابة نهج سياسي مع برنامج عمل مفصل للسنوات العشر القادمة.. لا أقل!! والذين يضعون هذه الأجندة ليسوا حكومة ولا نواباً منتخبين من الشعب، بل هم لجنة من ستة وعشرين رجلاً وامراة فقط، ولا يمكننا ان نقول انهم شخصيات سياسية ، ناهيك عن ان يكونوا قيادات سياسية بحجم المهمة. فمع ان بينهم بعض النواب السابقين وربما اثنان من الحاليين، إلا ان بينهم عدداً ممن لم يُعد الشعب انتخابهم، فأعيد تعيينهم في السلطة التشريعية ذاتها أو في مواقع أخري.. ومنهم ايضاً من ترشح، أو ترشحن، لثلاث مرات ولم يفوزوا في أية مرة، ومنهم مسؤولون سابقون يمثل بعضهم بالضبط ما يجب إصلاحه ومن تجب محاسبته عند البدء بالإصلاح، ومنهم مسؤولون حاليون اعترض بشدة علي أدائهم السياسي والإداري والمالي مجلس النواب الحالي وإلي حدود لا يصلها هذا المجلس عادة.. وإن كان من بينهم بالمقابل شخصيات مقبولة شعبياً وسجلها نظيف ولديها رؤية سياسية واستراتيجية. ولكن تلك تبقي رؤيتهم هم، وليس هنالك الآن أي معيار لدرجة ونسبة قبولها شعبياً كون أصحابها ليست لهم أية صفة تمثيلية حالياً. وحتي لو افترضنا أنهم جميعاً من أفضل الكفاءات في المملكة وانزهها، فإن ستة وعشرين شخصاً لا يحق لهم، ضمن أي معيار ديمقراطي مهما ضاق، ان يضعوا أجندة مفصلة لدولة بأسرها، لعشر سنوات قادمة. حتي أعضاء مجلس النواب المائة وعشرة، الذين يقال إنهم منتخبون مباشرة من الشعب، لا يحق لهم هذا.. فكيف بلجنة معينة من قبل الحكومة السابقة، وما يجمعها بالحالية هو ان رئيس اللجنة هو نائب لرئيس الوزراء في الحكومة السابقة ووزير البلاط في الحكومة الحالية، وهنالك ثلاثة وزراء (الأكثر رفضا من جانب النواب) معه في اللجنة مكررين في الحكومتين!!.
وقصة تشكيل اللجنة ذات دلالة ففي الخريف الماضي، عندما انتقد الملك رئيس الحكومة السابقة علي أداء حكومته، سارع الأخير لتشكيل لجنة تعمد ان يكون أكثر أعضائها من خارج الحكومة، وإن كان محتما ان يرأسها أقوي وزير في تلك الحكومة. وعندما أعلن الرئيس حينها ان هذه اللجنة ستضع استراتيجية تلتزم بها كافة الحكومات لعشر سنوات، قلنا أن هذا تكبير للحجر يبرر بطء الرامي ، وهروب للأمام في محاولة لإطالة عمر الحكومة بانتظار استراتيجية قالت الحكومة حينها انها ستجهز في أواخر عام 2005!! ولكن المحاولة لم تنجح فعزلت الحكومة بشكل مفاجيء إلي حد خلق فراغ حكومي ، ولكن الغريب أن الحكومة رحلت واللجنة بقيت، تماماً كما بقي رئيسها وزيراً، بل وعين وحده من قبل الملك دون انتظار لتنسيب من رئيس الحكومة، كما ينص الدستور صراحة!! ولكن مجمل هذه الأحداث غير الإعتيادية يلقي المزيد من الضوء علي عمل اللجنة، وحتماً يقلص القوي الفاعلة فيها كثيراً عن الرقم ست وعشرين.. ويبقي الأغرب، وهو ان رئيس الحكومة الجديد المكلف أعلن التزامه بالاستراتيجية التي ستضعها اللجنة، ورئيس اللجنة أعلن الآن ان الاستراتيجية ستكون جاهزة في شهر يوليو!! معني هذا ان الرئيس الجديد لم يأت فعلاً ببرنامج جديد، بل هو بدون برنامج إلي حين تجهز الإستراتيجية التي ستضعها لجنة غالبيتها الساحقة ليست من الحكومة ولا هم نواب للشعب ولا هم قياداته وحكماؤه بدون منازع.. فلماذا تغيير الحكومة فجأة، ولماذا لم يؤت باللجنة حكومة ورئيسها رئيساً وإستراتيجيتها برنامج عمل للحكومة يقدم لمجلس النواب؟؟
لا أريد ان أدخل هنا في تخمينات ان رئيس اللجنة الذكي والقدير، ينأي بنفسه عن كل ما لا يجده قابلا للتسويق، تماما كما نأي بنفسه عن أداء حكومة أبو الراغب الداخلي، وكما نأي بنفسه عن وزارة الخارجية قبل تقديم المبادرة الأردنية في قمة الجزائر.. ولكنني فقط اريد أن اذكّر بحقيقتين وثيقتي الصلة بالإصلاح السياسي، لا تقبلان الجدل والتخمين : الأولي، أن السياسة هي إدارة الحالة الآن ، هي فن إدارة الواقع ضمن الممكن. وبالنسبة للدول الكبري صانعة الأحداث، كأمريكا، نجد ان الإستراتيجيات ، وليس فقط التكتيكات التي تعتمدها تلك الدولة تتغير في أقل بكثير من عشر سنوات. بل إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر (علي اختلاف تفاسيرنا له ولمن كان وراءها) غيرت او مكنت استراتيجيات دون غيرها، منها احتلال عسكري مباشر ومنفرد لمنابع النفط، دون الشعور بوجود حاجة لغطاء الأمم المتحدة أو مشاركة دولية. ثم بعد الاحتلال بأقل من عامين، بدأت تلك الاستراتيجيات تتزعزع وبدأ البحث عن مخارج من أزمة الاحتلال وحلول مرحلية بانتظار حلول جذرية سنري تداعياتها في الأعوام القليلة القادمة.. ولكنها لن تكون أبدا نهائية أو دائمة. فسرعة تغير العالم زمن الفضائيات والإنترنت هو بنسبة التغير بين سرعة وصول الرسالة التي كانت تحمل بالقطار أو بالطائرة، مقابل وصول الرسالة الإلكترونية!!.
الحقيقة الثانية، هي انه في كافة الديمقراطيات، صناديق الانتخاب هي التي تحدد السياسات والأجندات وحتي الاستراتيجيات. وهي أحياناً لا تنتظر عمر الحكومات المنتخبة المفترض، بل تقلبها وتقلب اهم أجندتها معها قبل ذلك. وفي الدستور الأردني، مجلس النواب هو الذي يعطي الحكومات الثقة بناء علي برنامجها، ويبقيها ما دامت ملتزمة به. بل هو يفرض تفاصيل أدائها ايضاً، لأن التصويت علي منح او حجب الثقة حق مطلق للنائب غير مشروط بأخطاء ترتكبها الحكومة أو تفسيرات يقدمها النائب. ومن هنا، فإن الحديث عن أجندة تلتزم بها الحكومات لعشر سنوات هو ليس تعديا علي حكومات قادمة فحسب، بل علي سلطة الشعب التي يمارسها عبر نوابه. كما أن فهم السياسة علي انها قرار لفئة (هنا هي لجنة غير منتخبة وهي ليست جزءاً من حكومة مساءلة) يصلح لملايين من شعب ما، لعشر سنوات سيصبح فيها الأطفال الجالسون علي مقاعد الابتدائية أفواجاً ناخبين تحيل الناخبين الحاليين إلي أقلية، هو اعادة للفكر الأيديولوجي الشمولي الذي انتهي عهده تماماً قبل نهاية العقد الماضي.
ليس اعتقاداً منا ان هذه الاستراتيجية ستصلح حتي لإعطاء الحكومة الحالية سنة تعيشها (معدل عمر الحكومات الأردنية منذ قيام المملكة بهذا الحدود)، فرئيس اللجنة الوطنية الذي كان أقوي وزير سياسي في الحكومة التي رفعت شعار الأردن أولاً وخصصت له لجنة ولجان فرعية لبيان كيفية تطبيقه في كل مناحي الحياة العامة.. يقول الآن ان : الأجندة الوطنية ستكون مختلفة كلياً عن توصيات لجان الأردن أولاً لكونها ستضع آليات عمل ومعايير واضحة للتطبيق وإطاراً زمنياً لإنجازها !!!! وهذا النهج لِمَ هنا، ففي عهد الملك الراحل، تمت تسمية لجنة الميثاق التي عينت كلها من الملك مباشرة ممن يفترض انهم يمثلون كافة الأطياف السياسية وكان عددهم أضعاف اللجنة الحالية.. ولكن ذلك أيضاً تم خارج مجلس النواب وبإشراك انتقائي لبعض اعضائه.. وطلب إلي اللجنة وضع الميثاق الوطني !! عندها اعترضت علي الآلية غير الدستورية، كما علي الجدوي.. فالميثاق، مهما قيل عن تقدميته، لا يملك أن يتجاوز أحكام الدستور. وقلت ان المقصود هو تجديد البيعة للنظام بإسقاط المعارضة حقوقها بلا مقابل (استشهدت بقصة التحكيم التي اوكلت لأبي موسي الأشعري وعمرو بن العاص)، إضافة إلي انتحال الوثيقة لاسم هو ماركة مسجلة في التاريخ الأردني، إذ حملته أهم وثيقة صدرت عن ممثلي الشعب الذين تنادوا لعقد المؤتمر الوطني الأول عام 1928، دونما حتي إذن من الحكومة او سلطات الانتداب، وأصدروا تلك الوثيقة المفخرة التي طالبت بإلغاء المعاهدة البريطانية، والتي تصلح غالبية مطالبها الأخري أجندة اصلاح في يومنا هذا.. وبالفعل سمي المؤتمر الذي أقر الوثيقة الثانية بالمؤتمر الوطني، دون ترقم تسلسله للأمانة التاريخية. وكما توقعت، وضع الميثاق الوطني علي الرف، إلي جانب الدستور المجمد ذاته، بعد استنفاد الغرض السياسي من الميثاق في فترة العودة إلي الديمقراطية - كما أسميت حينها - ولم تفعّل أي من مواده التي قيل لنا انها أكثر تقدمية من الدستور ، ولا تلك المفصلة لما ورد في الدستور، إلي يومنا هذا!!!.
كما ترون، عندنا من الوثائق والأجندات النابعة من كل أنواع اللجان غير المنتخبة ما يكفي.. وكلها لا تلزمنا، بل هي لم تعد تفيد في إطالة اعمار الحكومات التي تطلقها، فبين الوثيقة الثانية والثالثة أقل من عامين، في حين تبعد الأولي بعقد من الزمان!! ما يلزمنا هو تطبيق الدستور وإلغاء كل القوانين غير الدستورية وكل الآثار المترتبة عليها، لأن ما بني علي باطل هو باطل.. ودستورنا من أكثر دساتير العالم تقدماً، ولا يجوز الحديث عن تعديله قبل تطبيقه، والأهم أنه لا يجوز الحديث عن تعديله من قبل من خرقوه، فهذا قد يعني لا أقل من تمزيقه!!.














التعليقات