من السهولة الدعوة للديمقراطية في الشرق الأوسط ولكن أي نوع من الديمقراطية؟ فهل تركز السياسة الخارجية الأمريكية على تشجيع الانتخابات أو دعم الضوابط والتوازنات؟ وهل السؤال الأساسي هو كيفية الحصول على السلطة؟ أو كيفية ممارستها؟ بول كوليير وآنك هوفلر الاقتصاديان من جامعة اوكسفورد يعالجان هذه الأسئلة في دراسة اجرياها عن الدول الغنية بالنفط.
وكانت اجابتهما المستندة إلى التحليل الاحصائي لاداء الدول النفطية منذ السبعينيات تحت مختلف النظم السياسية هي ان الاتجاه نحو التركيز على الانتخابات صحيح في معظم المجتمعات، ولكنه مضلل في الدول النفطية، وفي بلد مثل العراق فإن على الولايات المتحدة وحلفائها ان يهتموا بنوعية النظام القضائي والإعلام بنفس قدر اهتمامهم بنوعية التصويت، كوليير وهوفلر في الواقع اكثر تسامحاً مع الانتخابات من معظم اقتصاديي التنمية.

حتى التسعينيات كان الباحثون يجمعون على أن التصويت مضر بالنمو الاقتصادي وهذه نتيجة تتماشى مع فكرة ان الدكتاتوريين قادرون على فرض التقشف اللازم.

خلال العقد الماضي اتفق الباحثون عموماً على ان الانتخابات محايدة بالنسبة للنمو الاقتصادي، ولكن بعد اخذ الاقطار ذات الموارد الطبيعية خارج العينة وجد كوليير وهوفلر ان الاقطار العادية الفقيرة في الموارد تنمو بصورة اسرع إذا مارست الانتخابات.

والعكس صحيح في الدول النفطية خاصة إذا اجريت الانتخابات دون ضوابط وتوازنات، وفي الاقطار التي تصل فيها ارباح الموارد الطبيعية إلى خمس الناتج المحلي الاجمالي فإن التحول في النظام الاوتوقراطي إلى المنافسة الانتخابية يقلل معدل النمو السنوي بنسبة 2.1%.

وما لم تكن هناك ضوابط وتوازنات فإن الانتخابات تجعل الدول الغنية بالنفط تستثمر باقل من المفترض.

وتستثمر بصورة سيئة وكنتيجة لذلك فإنها تفشل في خلق البنية التحتية العامة التي تجعل النمو ممكناً.

lt; لماذا تدعم الانتخابات النمو في معظم الاقطار وتسبب نقصاً في الاستثمار في الدول النفطية؟

في الاقطار العادية حيث تكون موارد الدولة النقدية محدودة فإن افضل طريقة لجذب الناخبين هي توفير الاحتياجات العامة وضبط التضخم وارساء حكم القانون إلى البنية التحتية التي يتم اختيارها لتحقيق مصلحة المجتمع ككل.

اذن فإن الانتخابات تشجع السياسات الهادفة للتنمية، اما في الدول النفطية فإن اسهل طريقة لكسب الأصوات هي شراؤها ويستطيع السياسيون فعل ذلك بدعم اسعار المواد الغذائية أو منح وظائف حكومية مقابل الولاء، وهي رشاوى تشجع الاستهلاك على حساب الاستثمار، وقد يلجأون ايضاً إلى انشاء مشروعات يكون هدفها الحقيقى توزيع منافع شخصية والاستثمار الموجود في مثل هذه المشروعات على قلته يكون من النوع عديم الجدوى.

ومن الامثلة الجيدة على ذلك نيجيريا التي تأرجحت بين الدكتاتوريات العسكرية والديمقراطية الفاسدة، في عام 1968 جاءت حكومة منتخبة إلى السلطة وألغت عقداً لانشاء خزان بقيمة 120 مليون دولار ابرمته الحكومة العسكرية السابقة، وتم ابرام عقد جديد ولكن هذه المرة تضخم العقد بسبب الرشاوى والترضيات ليصل إلى 600 مليون دولار، السياسيون انفقوا ثروات لكي ينتخبوا والآن هم يريدون المقابل.

انتقال نيجيريا الأخير إلى الديمقراطية في عام 1999 يبدو أفضل قليلاً، كما تشير الحملة المضادة للفساد التي أطلقها الرئيس المنتخب ديمقراطياً.

وعن طريق تطبيق نظام المناقصات التنافسية في المشروعات الحكومية وبمقارنة الأسعار المعروضة باسعار المشروعات المماثلة في الانترنت استطاعت نيجيريا تقليل تكلفة مشروعات الاشغال العامة بنسبة 40% وتوفير 2 بليون دولار منذ عام 2003، وفي العام الماضي قام وزير اصلاح الخدمة العامة بفحص وظائف وزارته البالغة 25.000 وظيفة فوجد ان 5.000 موظف يتقاضون رواتب ولا يعملون، اذن فعلى الدول الغنية بالنفط ان تقرن الانتخابات بالضوابط على السلطات المنتخبة مثلما تعمل نيجيريا الآن.

هذا ليس صحيحاً بالنسبة للاقطار العادية، ويقول كوليير وهوفلر ان الضوابط والتوازنات في الاقطار الفقيرة بالموارد تجنح إلى تقليل النمو ربما لانها تخلق اختناقاً بدلاً من العمل العام الضروري.

ولكن في المجتمعات الغنية بالنفط فإن قانوناً لحرية المعلومات ومدعياً عاماً مستقلاً وفصل السلطات بالنسبة للأموال العامة تعتبر اجراءات ضرورية لمكافحة دوافع الفساد. ولكن الطبقة السياسية في أي دولة لا تحب وضع ضوابط تحد من حريتها في الحكم. وإذا ترك العراق وشأنه فإنه قد يقع في الفخ الذي وصفه كوليير وهوفلر - أي الدستور الذي يركز على كيفية تحقيق السلطة، ولكنه يهمل كيفية ممارستها.