اعتذرت اليابان على لسان رئيس وزرائها عن المعاناة التي سببتها لشعوب كثيرة في عدد من البلاد وخصوصا لأمم آسيوية خلال الحرب العالمية الثانية، مضيفا أن اليابان "قررت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبشعور عميق من الندم واعتذارات صادقة ما زالت حاضرة في ذهنها، ألا تكون قوة عسكرية بل قوة اقتصادية تحل كل مشاكلها بطريقة سلمية وبدون اللجوء إلى القوة".
لم تكن المرة الأولى التي تقدم فيها اليابان اعتذاراً عن أعمالها في الماضي بشكل عام، لكن اعتذار رئيس الوزراء هذه المرة له وقع خاص, خاصة مع تفاقم أزمة العلاقات الصينية اليابانية التي تفجرت في الأسابيع الماضية. من التبسيط اعتبار الاضطرابات وأعمال العنف التي تفجرت في الصين ضد اليابان مجرد حالة فوران للمشاعر القومية نتجت عن استياء السلطات الصينية من إصدار اليابان كتاب تاريخ مدرسياً جديداً يقلل من شأن الفظائع التي ارتكبتها الإمبراطورية اليابانية في الصين خلال احتلالها لها. خرج المتظاهرون في كبرى المدن الصينية متهمين اليابان بتزوير التاريخ، ورفضت الحكومة الصينية بدورها الاعتذار لليابان عن ذلك. أزمة من الماضي فجرت الحاضر وستنظر للمستقبل.
كان التاريخ حاضرا في منطقة شرقي آسيا, فأطياف الماضي لا تزال تلقي بظلالها على مستقبل التوازنات الاستراتيجية في المنطقة. التاريخ لم يطو صفحة فظائع الحرب العالمية الثانية، الشعوب الأوروبية تصالحت مع ماضيها وغفرت لألمانيا بينما لم تحظ اليابان إلا بفضيلة الاعتذار ولا جنت التسامح. واليابان بدورها تواجه أزمة في التوافق مع تجربتها قبل وخلال الحرب. الجنوح العسكري الحاد لليابان والهزيمة الساحقة التي أعقبت الضربة النووية لمدينة هيروشيما في السادس من أغسطس 1945، ثم الضربة الثانية لمدينة ناجازاكي فاستسلام اليابان رسميا في الرابع عشر من أغسطس وانتهاء الحرب العالمية الثانية، ترتيبات ما بعد الحرب وسياسات الأمر الواقع إضافة إلى القدرة العجائبية التي أظهرتها اليابان للنهوض من كبوتها العسكرية بانطلاقة اقتصادية, وبروز اليابان كنجم اقتصادي أوحد في آسيا، وصولا إلى الرغبة اليابانية في الانضمام إلى نادي الكبار في مجلس الأمن.
الصين من جانبها لم تغفر لليابان فظاعات الحرب وما قبلها. الحضارة الصينية التي أنتجت أقوى قوة اقتصادية في العالم القديم بتقنياتها المتطورة وبرقي تنظيماتها الإدارية نتيجة لعوامل تاريخية استبيحت أراضيها ونهبت خيراتها في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
الصين التي تضم خُمس سكان العالم تعافت الآن من ويلات الحروب وذلها وقفزت فوق فظائع حكم ماو تسي تونغ لتؤسس لأسرع نمو اقتصادي عالمي، وليجمع التنين الصيني قوة اقتصادية جبارة، قوة سكانية، قوة عسكرية نووية، وقوة سياسية بتحالفاته الإقليمية إضافة لامتلاكه -الصين- مقعدا دائما في مجلس الأمن. واستبدل المثلث الاستراتيجي السوفييتي – الأميركي – الصيني أيام الحرب الباردة, بمربع جديد يضم كلا من الصين – اليابان – الولايات المتحدة – الهند. مربع لا شك أكثر تعقيدا، فالقوى المتصارعة المتحالفة في شرقي آسيا لازالت تتحرك على رقعة التوازنات الإقليمية والتحالف مع الشريك الحاضر دوما الولايات المتحدة.
كما كان التاريخ حاضرا فالمستقبل حاضر كذلك. فالصين تنظر لليابان باعتبارها أول وأقدم خصم جيوبوليتيكي, وستظل الصين تخشى من تحول قوة اليابان الاقتصادية الهائلة إلى قوة سياسية وحتى عسكرية. إنه ليس فقط الارتياب من عودة الروح العسكرية اليابانية ومحاولة إحياء السلوك الإمبراطوري الياباني، إنما هي حرب الأدوار المستقبلية في منطقة شرق آسيا. للأزمة الصينية اليابانية أبعاد مستقبلية لذا كانت المعارضة الصينية لسعي طوكيو للحصول على مقعد دائم العضوية في مجلس الأمن، وفي مقابل التصعيد على الجبهة اليابانية شهدت العلاقات مع الجارة الهندية دفئا غير مسبوق، وظهرت بوادر تشكل تحالف استراتيجي غير مسبوق بين عدوي الأمس وأكبر قوتين اقتصاديتين وسكانيتين وعسكريتين في المنطقة. هل تفسر رقعة التوازنات الإقليمية والتحالفات الناشئة الاعتذار الياباني؟ نستطيع أن نقول نعم.














التعليقات