ماذا يمكن القول عن الايام المئة الأولى من وجود السيد محمود عباس (أبو مازن) على رأس السلطة الوطنية الفلسطينية؟ هل صحيح ان الرئيس الفلسطيني بدأ يشعر بالملل وانه بات متيقنا من ان اسرائيل لا تريد حلا في اي شكل وانها تلعب لعبة تتلخص بكلمة واحدة هي "المماطلة"؟
يمكن الحديث عن ايجابيات كثيرة من تولي محمود عباس الرئاسة الفلسطينية على اساس برنامج واضح خاض على اساسه الانتخابات بين هذه الايجابيات حصول الانتخابات بعد الوفاة المفاجئة والغامضة في آن لياسر عرفات. واثبت ذلك ان الشعب الفلسطيني شعب حي قابل لتنظيم اوضاعه في ظل نظام ديموقراطي. والاهم من ذلك كله ان "ابو مازن" انتخب بعدما اكد انه مع التفاوض ومع وقف الانتفاضة المسلحة التي لم تجرّ على الفلسطينيين سوى الكوارث ولا شيء غير الكوارث. وجاء انتخابه رئيسا للسلطة الوطنية الفلسطينية بنحو ثلث احداث المقترعين ليؤكد ان اكثرية الشعب الفلسطيني مع التفاوض ومع التوصل الى حل معقول ومقبول يؤدي الى قيام دولة فلسطينية "قابلة للحياة".
اقدم الرئيس الفلسطيني على خطوات جريئة واستطاع تكريس الهدنة مع اسرائيل. وكان نجاحه الاكبر في اعادة مد الجسور مع الادارة الاميركية. وفي ذلك سر العراقيل التي يضعها ارييل شارون في وجهه، ذلك ان رئيس الوزراء الاسرائيلي مستعد لتحمل رئيس فلسطيني والتظاهر بالتفاوض معه وحتى لتقديم شيء ملموس.. في حال كان هذا الرئيس مقتنعا بان بوابة واشنطن تمر بالقدس المحتلة وليس عبر اتصالات مباشرة معها.
احسن "ابو مازن" التصرف واستطاع اعادة العلاقات مع الادارة الاميركية حتى ان الرئيس بوش الابن، الذي لم يخف اعجابه بالرجل، سأل احد الفلسطينيين في جلسة مغلقة: هل يستفيد محمود عباس اذا عانقته بطريقة حارة ام ان ذلك سيضر به عربيا وفلسطينياً؟

ان الرئيس الاميركي وخلافا للاعتقاد السائد يهتم بتفاصيل التفاصيل الفلسطينية كما لديه مزاج في التعاطي مع الناس والزعماء والمسؤولين. هناك الذين يعجبوه وهناك الذين لا يعجبوه. وربما كان من حسن حظ "ابو مازن" او من سوء حظه ان بوش الابن معجب به!
تحول شارون العقبة الأولى في طريق نجاح "ابو مازن" وهو حتى الان لم يعط شيئا يجعل الرئيس الفلسطيني قادرا على القول لابناء شعبه ان الصبر مفتاح الفرج وان بداية الاصلاحات بدأت تعطي ثمارها كذلك استمرار الهدنة. وقد دفع ذلك بالعقيد محمد دحلان (وزير فلسطيني) الى القول للاميركيين خلال زيارته الاخيرة لواشنطن قبل ايام انه اذا كان "ابو مازن" سيعود من زيارته المقبلة للعاصمة الاميركية منتصف الشهر المقبل مثلما وصل اليها، ليس ما يستدعي في هذه الحال حصول الزيارة.
تكمن مشكلة "ابو مازن" ان مصدر الحرب عليه ليس شارون وحده، بل ان "حماس" تراهن على فشله وتعتقد ان الوقت يعمل لمصلحتها خصوصا ان الوضع الاقتصادي يتدهور في الاراضي الفلسطينية. اضافة الى "حماس" هناك منظمات فلسطينية يسارية تشاغب عليه بناء على طلب جهات خارجية اقليمية تديرها بـ"الريموت كونترول". وهناك بعض يتامى ياسر عرفات الذين يعتقدون ان وصول "ابو مازن" الى الرئاسة حرمهم من مزايا كثيرة كانوا يتمتعون بها. ويردد هؤلاء وبعضهم ما زال موجودا في الاجهزة والمؤسسات الفلسطينية ان "ابو عمار" وصف محمود عباس في احدى المرات بأنه "قرضاي فلسطين".

بسبب هذه الاجواء بدأ "ابو مازن" يشعر بالملل خصوصا انه ليس على استعداد للقول انه استطاع العودة من واشنطن بموافقة اسرائيل على اطلاق نحو خمسمئة معتقل فلسطيني كان يفترض ان تفرج عنهم قبل اسابيع عدة او بانسحاب من مدن فلسطينية كان يجب ان ينفذ بعيد انعقاد قمة شرم الشيخ قبل نحو شهرين، ان "ابو مازن" ليس من الزعماء والمسؤولين الذين يضحكون على شعبهم، ولذلك يقول الذين يعرفونه انه يشعر بتضايق شديد نظرا الى انه يخوض حربا على جبهات مختلفة وحتى داخل "فتح" نفسها حيث تبين انه لا يمتلك اكثرية في اللجنة المركزية، اضافة الى ان رئيس الحركة السيد فاروق قدومي (ابو اللطف) المقيم في الخارج يعمل كل ما يستطيع لوضع العصي في دواليب السلطة الوطنية.
ما الذي سيفعله الرئيس الفلسطيني؟ الأرجح انه لن يتخذ قرارا قبل زيارته المقبلة لواشنطن ولقاء الرئيس الاميركي. وعلى الرغم من انه لا يعلق آمالا كبيرة على الزيارة، لكنه يتوقع ان يقوم بها في الموعد المقرر لعل وعسى تحصل معجزة تخرجه من اجواء الملل والتشاؤم.