لقد كان رحيل البابا يوحنا بولس الثاني, وما أعقبه من اختيار للكاردينال جوزيف راتزينجر تحت مسمى البابا بينديكت السادس عشر, سبباً في الدفع بالمسيحية إلى مقدمة مسرح الأحداث العالمية خلال الأسابيع القليلة الماضية. وهمس الكثيرون في العالم المسيحي متسائلين عن مغزى الاستمرار في تعيين الكرادلة الأوروبيين وترفيعهم إلى منصب البابوية, في الوقت الذي تنحسر فيه المسيحية نفسها, بسرعة وعلى نحو مطرد في تلك القارة؟ بل بدر من البابا الجديد نفسه تساؤل حول "ديكتاتورية النسبية" أثناء الموعظة الدينية التي ألقاها قبيل الاجتماع السري للكرادلة. وقد عبر البابا الجديد عن موقفه، في شكل انتقاد مبطن لما رآه من تنام للنزعة العلمانية في القارة الأوروبية.
وقد دفعتني كل هذه الروح الحائرة الباحثة عن مصير المسيحية في القارة إلى التساؤل: فيما لو عاد السيد المسيح مجدداً إلى كوكبنا هذا... فأين يا ترى سيروق له المقام؟ في أميركا التي تخشى الرب, أم في أوروبا التي تحررت من الرب, ولم يعد له وجود فيها؟ وبالطبع فإن أول ما يتبادر إلى الذهن في هذا الخيار, هو أميركا, التي تقل فيها كثيراً سطوة النسبية العلمانية, قياساً إلى أوروبا.
فمهما يكن, لا نزال نحن الأميركيين, الأكثر تديناً بين كافة مجتمعات الدول الصناعية الغربية. فبين كل عشرة أميركيين, هناك ستة منهم يقولون إن للدين مكانة وتأثيراً مباشراً على كافة جوانب حياتهم اليومية. إلى ذلك يقيم الصلوات 56 في المئة من الأميركيين مرة واحدة على الأقل كل يوم, بينما يحضر الصلوات والشعائر الكنسية, 50 في المئة من هؤلاء أسبوعياً. بل إن النزعة الدينية بين الأميركيين, تذهب إلى أعمق من هذا بكثير. ذلك أن ثلث الأميركيين يعتقد أن كل سطر من أسطر الكتاب المقدس, يحتوي على أقوال وكلمات الرب, وليس مجرد تأويلات وتراجم مستوحاة من معاني لغة الرب, أو نصوص ملفقة منسوبة إليه. والملاحظ أن نسبة 93 في المئة من الأميركيين تقتني نسخة خاصة بها من الكتاب المقدس. ويؤمن حوالي 45 في المئة من الأميركيين، بأن الرب هو الذي خلق البشرية قبل نحو عشرة آلاف عام.
ويرى حوالي 56 في المئة من الأميركيين أن من الضروري تدريس نظرية الخلق, جنباً إلى جنب مع نظرية التطور التي تدرس للطلاب والتلاميذ في المدارس. ويؤمن نحو 68 في المئة من الأميركيين بوجود الشيطان, بينما يؤمن 82 في المئة منهم بأن العالم لابد أن ينتهي إلى معركة "هرمجيدون", الفاصلة بين قوى الخير وقوى الشر, أي بين المسيح وأعدائه. وفي حين يؤكد ستة بين كل عشرة أميركيين, أن للدين مكانة كبيرة في كل وجه من وجوه حياتهم اليومية, فبالكاد يلعب الدين أي دور يذكر في الحياة اليومية لغالبية الأوروبيين. ففي ألمانيا على سبيل المثال, لا تزيد نسبة الذين يؤكدون على أهمية الدين في حياتهم اليومية, على 21 في المئة, في حين تنخفض النسبة إلى 16 في المئة فحسب, في بريطانيا ، وإلى 14 في المئة في فرنسا. أما في جمهورية التشيك, فتهبط النسبة إلى 11 في المئة فحسب. وحدث ولا حرج حين يبلغ بك الأمر إلى الدنمارك والسويد, حيث لا تصل النسبة حتى إلى عشرة في المئة.
لكن وعلى الرغم من كل هذا, فإن المدهش حقاًَ أن يكون الأوروبيون هم الأكثر مسيراً في طريق الرب وتطبيقاً لتعاليمه, رغم أن تعليقاً كهذا, ربما يثير حفيظتهم أو ربما يثير فيهم مشاعر الضيق والاستياء. صحيح أنه ليس ثمة ذكر البتة, لكلمة "الرب" في مسودة الدستور الأوروبي الجديد, التي تجري مناقشتها في كافة الدول الخمس والعشرين الأعضاء في الاتحاد. ولكن حين يصل الأمر إلى تطبيق ما جاء في تعاليم السيد المسيح, فلا شك أن لدى الأوروبيين الكثير, مما يمكن أن يعلموه لرواد الكنيسة الأميركيين. ولمن يشكك في صحة هذا الظن, فما عليه إلا أن يتأمل ما يلي:
فحين جثا المسيح محتضراً, كان قد تعهد مع الرب, بالعفو والمغفرة عن قاتليه, إيماناً منه بأنهم "كانوا يجهلون ما يفعلون". فهناك في قلب المذهب المسيحي, إيمان عميق بالعفو والخلاص, اللذين تطال رحمتهما وظلالهما حتى أسوأ الآثمين والمذنبين. وكان المسيح هو من قال في "موعظة الجبل" ما معناه "لقد سمعتم ما قيل عن أن العين بالعين والسن بالسن, بيد أني أقول لكم, إن عليكم ألا تقاوموا الشر, ومن ضربك على خدك الأيمن, فأدرْ له خدك الأيسر". وقد أخذ الأوروبيون بهذا الإيمان بالعفو والخلاص, إلى ثنايا وتفاصيل سياساتهم العامة.
فقد ألغيت عقوبة الإعدام مثلاً في الدول الخمس والعشرين الأعضاء في الاتحاد تقريباً. وفي حين استبدل الاتحاد كلمة "الخلاص" بعبارة "الإصلاح" في مؤسساته العقابية –أي أنه أكسب المدلول معنى أخلاقياً علمانياً- إلا أن جوهر الممارسة, ينسجم وتعاليم السيد المسيح. على نقيض ذلك, نجد أن الأغلبية الساحقة من الأميركيين، تفضل عقوبة الإعدام, بينما يؤكد نحو 37 في المئة منهم، أنهم يفضلون عقوبة "العين بالعين" على روح عدم المقاومة وإدارة الخد الأيسر. وبالنسبة للكثير من الأميركيين, فإن كفة القصاص تعلو على كفة الإصلاح. وفي الوقت الحالي, تسمح 38 ولاية من الولايات الأميركية، بتنفيذ عقوبة الإعدام. وفي غضون التسعة وعشرين عاماً الماضية, جرى إعدام ما يزيد على 800 شخص في مختلف الولايات.
ثم ماذا عن شن الحروب؟ يذكر هنا أن المسيح قال "طوبى لصناع السلام". بل قال أيضاً: "لقد سمعتم ما قيل لكم عن أن أحبوا جيرانكم, واكرهوا أعداءكم. بيد أني أقول لكم: أحبوا أعداءكم, وارحموا من يسيء إليكم وينكل بكم". وكثيراً ما حث المسيح أتباعه على أن يلقوا السيوف أرضاً. ولسخرية المفارقة أن تتباهى أميركا –الدولة الغربية الأكثر مسيحية على الإطلاق- بماكيناتها الحربية, الأكثر مضاءً وقوة في التاريخ البشري! فميزانيتها الحربية المخصصة للأبحاث والتطوير العسكريين, تعادل نحو 80 في المئة من الميزانية الدولية المكرسة لهذين المجالين. أما إجمالي إنفاقها العسكري, فيعادل وحده 40 في المئة من إجمالي إنفاق العالم كله في هذا المجال!
على نقيض ذلك تماماً, نجد أن الاتحاد الأوروبي قد أنشئ أصلاً على مبدأ "الترسيخ الدائم للسلام". ومع أنه قد يؤخذ على الأوروبيين اعتمادهم المستمر على الولايات المتحدة في الدفاع عن أمنهم القومي, إلا أن ذلك لا يقلل مطلقاً من إيمان الأوروبيين المستمر بفكرة كونهم أمماً لحفظ السلام. فعلى امتداد نصف القرن الماضي, كان نصيب أوروبا من عمليات حفظ السلام في مناطق النزاعات المسلحة المختلفة على نطاق العالم, نحو 80 في المئة. كما يوفر الاتحاد الأوروبي نحو 70 في المئة من الأموال الدولية التي تنفق على مشروعات إعادة التعمير والبناء, و50 في المئة من إجمالي المساعدات الدولية الموجهة إلى مجال التنمية المدنية, إلى جانب توفيره نسبة 47 في المئة, من جملة المساعدات الإنسانية الدولية (بالمقارنة مع أميركا التي توفر نسبة 36 في المئة فحسب من هذه المساعدات).
وفي حين وعد المسيح الفقراء والمعوزين بالخير والمساعدة والرعاية في الكثير من مواعظه وأقواله, نجد أن أميركا قد ضلت بعيداً عن هذا الطريق, إذ تأتي مرتبتها في الرابعة والعشرين بين الدول الصناعية, من حيث الفجوة التي تفصل بين حفنة الأغنياء, والغالبية الغالبة من الفقراء. وبالمقارنة نجد أن هذه الفجوة تقل كثيراً في الدول الخمس والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وفي أميركا يعيش نحو 28 في المئة من الأطفال, ظروف الفقر والحرمان. وفي هذا بالذات, فما من دولة واحدة من الدول الغربية, تأتي بعدها في ذيل القائمة سوى المكسيك!
وبعد, فأيهما الأقرب إلى روح المسيح وتعاليمه السمحة: من يذهب إلى الكنيسة أكثر, أم من يطبق تعاليمه في الحياة اليومية؟.













التعليقات