حين بطش الرئيس المصري الراحل أنور السادات بخصومه السياسيين والدينيين, قال بما معناه: »إن للديمقراطية أنياباً«! ونضيف الى ذلك وأظافر أيضاً, وأفضل من كتب في هذا الموضوع د. عصمت سيف الدولة في كتابه »الاستبداد الديمقراطي«. وهذه الظاهرة لا تعرف إلا في العالمين العربي والإسلامي والدول النامية بشكل عام, برغم التناقض الواضح بين الديمقراطية والاستبداد, ذلك ان الاثنين اخترعا الديمقراطية لمنع الاستبداد, في حين استخدم الشرقيون الديمقراطية لممارسة الاستبداد بشكل قانوني.
قبل الحديث عن هذا الموضوع الذي لم يدرس ويبحث بشكل جدي الى الآن, لابد من الاشارة الى ما يعرف بالاستبداد الشرقي, وهو نوع من الاستبداد مبني على طاعة المحكومين في مجتمعات الشرق الاقصى قديماً بسبب حاجة المحكومين وهم من المزارعين الى ماء الري الذي تتحكم السلطة بتوزيعه, ويمكن بسهولة شديدة ملاحظة طاعة المحكومين في الشرق الادنى ايضاً حيث يوجد العالم العربي, فالطاعة, كما يقول المفكر د. فؤاد زكريا, مرض عربي, ومع شيوع الطاعة العمياء في مجال السلطة, انتشر هذا الاستبداد في مواقع متعددة من العالم حيث الديمقراطيات الكاذبة, أو ما يعرف بالسماح بحق الصراخ بينما حق الفعل مرهون بيد السلطة, وفقاً لما ورد في الموسوعة السياسية, واضيف الى هذا البؤس السياسي انحدار مرض الطاعة الى الزوجة وخضوعها للزوج, وخضوع الانثى للذكر عموماً, وخضوع الاولاد للآباء. وخضوع المرؤوسين بشكل عام للرؤساء, وبناء على هذا أصبح الاستبداد الذاتي سمة شخصية للإنسان الشرقي, وزاد الطين بلة استلذاذه بممارسة هذا الاستبداد على الآخرين الأضعف منه, الأمر الذي أدى الى غياب حقوق الإنسان وتقييد حرياته, وتمكن الإنسان الشرقي المستبد من تبرير استبداده من خلال التأويل الفاسد للنصوص الدينية والآراء الفقهية القديمة والعادات والتقاليد, وكان من الممكن تعديل هذا المسار الخطأ لولا ان دخل هؤلاء جميعاً في إطار الدولة الذي صنعه المستعمر الغربي لتطوير الحياة السياسية »برلمان, دستور, ديمقراطية« والاجتماعية »تعليم, بناء مؤسسات, رفاه .. الخ« لولا ان من مارسوا السلطة او ما يسمى بالحكومات الوطنية, غلبت استبدادها الشرقي على قيم الديمقراطية ودولة القانون وانتخبت دساتير وصنعت قوانين حاضنة لهذا الاستبداد, وبذلك اصبح جميع المحكومين أسرى لاستبداد دولة, فأصبح الأمر أكثر تعقيداً.
الاستبداد لغة, تجميع الأمور في جهة أو يد واحدة, واصطلاحاً, تنفيذ الامور من خلال جهة واحدة, في الدولة الاستبدادية يحق للمواطن »الحكي« و»الصراخ« لكن دون رأي عام فعال في حين يتم التشريع, والتنفيذ وفقا لرغبات الجهة الحاكمة .. بالقانون .. ويكفي ان نقارن بين الرأي العام الغربي الذي يعزل وزراء ومسؤولين ويسقط احياناً حكومات, في مقابل رأي عام عربي يرى الفساد كل يوم وفي كل شيء ويقرأه في كل تقرير ولا يستطيع ان يفعل اي شيء, ألم نسمع عن فساد البلدية الذي لا تحمله البعارين, ونقرأ تقرير ديوان المحاسبة الأخير الخاص بالبلدية والهيئة العامة للزراعة, ولم يحرك ذلك ساكناً بعزل ولو مسؤول واحد?
في مقابل عزل او استقالة وزير الداخلية البريطاني لاتهامه - لاحظ مجرد اتهام - بتدخله لصالح تسريع وليس انهاء معاملة خادمة صديقته?! في الحالة الاولى كان القانون هو سبب بقاء الفساد, وفي الحالة الثانية كان القانون هو سبب الاستقالة.
في الدولة الاستبدادية توجد قوانين تراقب المطبوعات والنشر وتعاقب على حرية الرأي, بل والضمير احيانا.
في الدولة الاستبدادية يتم حجز المتهم أسابيع ما دام التحقيق لم ينته بغض النظر عن مفاهيم حقوق الإنسان.
في الدولة الاستبدادية يمنع الانسان من انهاء معاملاته الرسمية في كل الوزارات لان وزارة الداخلية عاجزة عن تنفيذ القانون وتلجأ الى الحل الاسهل: تقييد معاملات الانسان, واحيانا منعه من السفر.
في الدولة الاستبدادية تستطيع وزارة الداخلية ان تفعل ما تشاء تجاه حريات وحقوق المواطن وتضيع حقوقه باسم قانون لا نعرفه, ويكون الإنسان مستعداً للتنازل عن كل حقوقه مقابل الافراج عنه.
باختصار شديد وحتى نحدد الفرق بين الحكومة الاستبدادية والحكومة الديمقراطية عل وجه الحقيقة, نذكر فشل حكومة رئيس وزراء بريطانيا المنتخبة ديمقراطيا في تمرير قانون البطاقة المدنية, في حين قامت حكومة الكويت بتبصيم كل الناس لتطبيق قانون البطاقة المدنية .. رغم أنوفهم.
حقا ما قاله ابن تيمية:»ان الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة«.
هذه المقالة مهداة للعم بوعبدالله »شيخ« ديوانية الخميس الصباحية.
* أستاذ في جامعة الكويت













التعليقات