هدأت الكويت، ربما مؤقتاً، بعد مرور العاصفة الإرهابية، ولكن أصداء تلك الحوادث ما تزال تتردد بين مختلف الفعاليات السياسية والفكرية في البلاد. فقد ظهر الإرهابيون على السطح بعد خداع رسمي وشعبي للنفس، بأن "البلاد آمنة" و"الأمن مستتب".
وزير شؤون الديوان الأميري، الشيخ ناصر المحمد، أكد في مقابلة مع مجلة "المصور" المصرية في فبراير 2005، "أن المعركة ضد الإرهاب ستكون طويلة ومريرة، لكن المواجهة محسومة لصالح قوى السلام والاعتدال". وأضاف في تصريحات كانت لها أصداء قوية في الكويت على الصعيد الشعبي: لدينا استراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب الفكري والأصولي والعمل على تجفيف ينابيع الإرهاب فكراً وتمويلاً، ولدينا خطط عملية مدروسة لتنشئة الشباب في سن مبكرة. نحن نراقب كل الأمور المتعلقة بالإرهاب سواء كان فكراً تعليمياً أو ثقافياً أو إعلامياً، ولن نكتفي بالمكافحة الأمنية فقط. وقال: الحكومة ستمنع أصحاب التوجهات المتطرفة من الإشراف على إعداد المناهج.
ويستبعد د. أحمد البغدادي، في مقابلة له مع "الطليعة" يوم 16/3/2005، أن تكون الحكومة راغبة أو متحمسة في تبني أي خطة حاسمة في مواجهة الإرهاب. ويقول: الحكومة قادرة ولكن لديها حسابات. التيار الديني والقبلي متوحد ومنفرد في الساحة، والحكومة بصورة أو بأخرى بحاجة إليه في مجلس الأمة والمجتمع... فهي تسكت عن أخطائه. ولذلك غالباً ما ترى في تصريحات الحكومة بأن هؤلاء فئة ضالة ومغرر بها، ولا يعطون الإرهاب حجمه الحقيقي. وأضاف البغدادي أن الشيخ ناصر بتصريحاته قد "بط الجربة" ولكن يلاحظ أن هناك تجاهلاً تاماً على المستوى الرسمي لحديثه. ويتفق البغدادي مع الحكومة على أهمية التعليم في التصدي لخطر الإرهاب. وأثار البغدادي خطورة دور مدرسي التربية الدينية وطالب بإبعاد خريجي كلية الشريعة عن وضع مناهج التعليم وتدريسه.
من جانب آخر، كشف استطلاع للرأي أجرته صحيفة "الأنباء" على عينة عشوائية من 300 فرد حول التطرف ومنابعه في البلاد، عن أن غالبية أفراد العينة يرون أن منابعه مختلطة، بين خارجية وداخلية، بنسبة تفوق 54%، في حين رأت نسبة تبلغ 35% بأن المنابع خارجية. واتهم أكثر من 34% أجهزة الإعلام باعتبارها الجهة الأكثر تأثيراً في تغذية التطرف، ولم يتهم التعليم سوى 13% من العينة. وجرى استطلاع مماثل على عينة بنفس الحجم من طلبة الجامعة، فأشار 40% من العينة إلى أن منابع الإرهاب خارجية، و55% خارجية-داخلية. أما عن الجهة الأكثر تأثيراً في تغذية التطرف، فقد أشارت العينة الطلابية بنسبة 36.6% إلى جمعيات النفع العام، وأقل من 32% إلى أجهزة الإعلام، ولم يتهم التعليم سوى 10%. واستكشفت "الأنباء" آراء مجلس الأمة حول الإرهاب والجهات التي تغذيها، فكان ردهم: جمعيات النفع العام بنسبة 70% ووزارة الأوقاف بنسبة 30%، وأسقطوا من حساباتهم نهائياً الإعلام والتعليم، في حين أن الإعلام هو المتهم الأول بنظر المواطنين بما تزيد نسبته على 34% والثاني في رأي الطلبة 31.6%.
وفي مقابلة صحفية، تحدث وزير الأوقاف الكويتي الأسبق، د. علي الزميع، فانتقد الفكر الإسلامي المعاصر وضعف علاقته بالواقع، لكونه نتاج تحدي الاستعمار والأنظمة المستبدة. وشرح أنه: حتى عندما تغيرت ظروف المجتمعات الإسلامية في مراحل لاحقة، استمرت الحركات على نفس مناهجها المتشددة، رغم أن قضيتنا الآن لم تعد زوال هويتنا الإسلامية، بل تبرز في وجهنا قضايا وإشكاليات أخرى، مثل قضايا التخلف والتنمية الاجتماعية والاقتصادية. كذلك نجد فكراً بُني على الفكر الذي ساد إبان الحروب الصليبية. وتدخل المساجد، فتجد من هم في المنابر يختمون خطبتهم بالدعاء على النصارى واليهود, رغم أن هذا الدعاء ظهر أيام الحروب الصليبية. لذلك أنا أقول إن هناك اغتراباً في الفكر الإسلامي عن واقعه الحالي، ولم يأت من يجدّد هذا الفكر. وحتى الحديث عن مساهمات محمد بن عبدالوهاب وابن تيمية والبنا وغيرهم، فهؤلاء قد يكونون محقين فيما ذهبوا إليه في زمانهم، وقد يكون صحيحاً بالنسبة إلى ظروفهم، ولو قُدر لهم الوجود اليوم لربما رفضوا الفكر الذي وضعوه، ورفضوا ممارسته في الواقع المعاصر.
وأثارت الصحيفة مع د. الزميع ما يسمى لدى البعض بـ"جغرافية التطرف" فقال: إن المشكلة مشكلة فكر لا علاقة لها بجغرافيا المكان... وحتى من نعتبرهم أنهم كانوا التربة الخصبة لهم نجدهم انضموا للتيار الرافض.
وعلى صعيد وزارة الأوقاف الكويتية، وجّه قطاع الافتاء رسالة إلى عموم المسلمين، يدعوهم فيها إلى التروي والتعقل فيما يستجدُّ من أحداث. وحددت رسالة الافتاء عشر نقاط ومبادئ لتوجيه عامة الشباب والمسلمين، ليكونوا عناصر بناء لا عناصر هدم، وهي: لزوم جماعة المسلمين، وطاعة ولاة الأمر، والوفاء بالعهد، وعدم تكفير المسلمين، وقبول الرأي الآخر والاستماع إلى وجهة نظر المخالف، وحرمة الدماء، وحرمة الاعتداء على أهل الذمة، والرجوع إلى العلماء الثقاة لسؤالهم، والتعاون على البرّ والتقوى، وبيان أن المقتول في طاعة ولي الأمر شهيد.
ومع عودة السجين الكويتي ناصر المطيري من سجن "غوانتانامو"، وإخلاء القضاء الكويتي سبيله بكفالة مالية مع منعه من السفر، تجدد في الإعلام الكويتي الحديث عن العرب الأفغان. وقد أكد المطيري أنه كان "مرابطاً" في أفغانستان عندما تم اعتقاله. وأضاف: إن الرباط في الدين عبادة خالصة لوجه الله تعالى، وإذا قتل الإنسان أثناء المرابطة على الثغور فإنه يعتبر شهيدا وتصعد روحه إلى الجنة.
وبعد عامين من الصمت، اعترف مؤسس موقع "الجهاد أون لاين" على الإنترنت، صاحب الاسم الإلكتروني "عبدالرحمن الراشد" بأنه كويتي يحمل ربما الجنسية البريطانية، وأن الاستخبارات الأميركية قد اخترقت الموقع عام 2003، حيث اعتقلته السلطات البريطانية ثم أطلقت سراحه، وهو الآن تحت المراقبة.
ومما نشرته الصحافة الكويتية قبل شهرين، أن شاباً أفسد "سهرة حمراء" على رفاقه في أحد المخيمات الربيعية على طريق الدائري السابع، عندما أبلغ غرفة عمليات وزارة الداخلية "أن الإرهابي خالد الدوسري سهران وموجود حالياً في المخيم"، وأغلق السماعة.
وانطلق رجال الأمن ودوريات نجدة منطقة الجهراء إلى الموقع، وضربوا طوقاً أمنياً بعد إعلان حال الاستنفار، وداهموا المخيم. وفي هذه الأثناء شاهد رجال الأمن عدداً من الفتيات وهن يصرخن ويهربن. وبعد التحري وضبط صاحب المخيم، تبين ألا وجود للإرهابي الدوسري الذي تطارده السلطات الأمنية، وأن الحكاية وما فيها، أن من قام بإبلاغ العمليات، تم طرده من السهرة الحمراء، وأراد أن "يخرّب" تلك السهرة، فتم ضبط المتصل وأحيل إلى جهة الاختصاص!
سهام التصدي للإرهاب، كما قلنا مراراً، معقدة. الحل الأمني يحسم المعارك ولا يكسب الحروب. لكسب الحروب علينا بالتعليم، الإعلام، خطب المساجد، أشرطة الرباط والجهاد والغزو، فكر الحركات والجماعات الإسلامية وكتبها وكتيباتها، وعي الجمهور وإصرار العرب والمسلمين على البقاء في القرن الحادي والعشرين... وأشياء كثيرة أخرى!.














التعليقات