الكاتبة:مورين داوود
هاهم العراقيون يرموننا بمفاجأة أخرى... فقد عين أحمد الجلبي وزيراً بالإنابة لوزارة النفط!
كيف هذا وهو الذي أدين بجريمة الاختلاس في الأردن, والمتهم بكونه عميلاً إيرانياً وجاسوساً مزدوجاً لدى الولايات المتحدة, إلى جانب كونه مضللاً استخباراتياً ومحرضاً على شن الحرب على أساس معلومات خاطئة؟! أمن أجل هذا ذهبنا إلى الحرب?: كي نضع رجلاً بهذه السمعة والسيرة في قمة وزارة النفط؟ وبعد أن وضعنا مدعي البطولات الزائفة هذا, في ذروة المسؤولية عن الموارد النفطية العراقية, فمنذا يصدق أن أيدينا ونوايانا لم تكن متسخة بسواد النفط، ونحن نمضي إلى تلك الحرب ونتحمس لخوضها؟ ولنذكر أن المحافظين الجدد قد جادوا على الجلبي بملايين الدولارات كي يسمعوا منه ما يريدون سماعه عن أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة. لكن وقبل نحو عام من الآن, انقلبت عليه وزارة الخارجية وتيار آخر داخل وزارة الدفاع, ما أن شرع هذا الأخير يكيل للولايات المتحدة، ويستخدم ملفات صدام حسين السرية ليلحق العار بخصومه في واشنطن.
وما أن تم الغزو مباشرة, حتى جيء بأحمد الجلبي إلى العراق مصحوباً بالقوات والدبابات العسكرية الأميركية. فما كان منه إلا أن بادر بحصد ما غرسه في كل من أميركا والعراق وإيران معاً وفي وقت واحد. وخصص له في العراق قصر منيف شددت الحراسة الأمنية حوله, وأغدق على نفسه كما شاء من موارد العراق وأمواله. ولم تداهم القوات الأميركية الشرطة العراقية المسؤولة عن حراسة مقره, إلا حين أمر قاض عراقي بإلقاء القبض على مجموعة منهم, وجهت إليها أصابع الاتهام في جرائم تتعلق بالاختطاف والسرقة وممارسة التعذيب.
ومن جانبها نشرت مجلة "نيوزويك" تقارير تفيد عن تسريب الجلبي لمعلومات سرية أميركية للإيرانيين قبيل شن الغزو على العراق. كما كشفت المجلة عن معلومات أخرى حول اتهامات بتسريب الجلبي لمعلومات أميركية مصنفة وبالغة السرية, يعتقد أنها ربما تؤدي إلى مقتل عدد كبير من الناس, فيما لو أساء الإيرانيون استخدامها. ولكن من جانبه ادعى الجلبي أن الإيرانيين أرادوا الإيقاع به. وفيما نذكر فقد أمر العراقيون بإلقاء القبض عليه في شهر أغسطس من العام الماضي, أثناء زيارة له لإيران. وكانت التهمة التي وجهها له العراقيون هي التضليل والخداع, غير أنها أسقطت عنه لاحقاً لعدم توفر الأدلة عليها.
اليوم وبقدرة أحمد الجلبي ومهاراته الخارقة في البقاء, فقد تحول أمامه توم ديلي إلى مجرد قزم صغير, واستطاع الجلبي –على رغم كل ما قيل فيه وما وجه له من اتهامات وإدانات- ان يصبح أحد أربعة نواب لرئيس الوزراء العراقي, وعضواً بمجلس الوزراء المؤقت, مما يعني وضع يديه بكاملهما على موارد تلك الأرض اليباب. فالمعلوم عن العراق أن له موارد نفطية تضعه في المرتبة الثانية مباشرة بعد المملكة العربية السعودية، من حيث المخزون الاحتياطي العالمي من هذا الوقود. بل ولأحمد الجلبي بعض المهارات التي يتسم بها توم ديلي فيما يتصل بممارسة المحسوبية والتحيز لأقاربه في المهن والوظائف. فهاهو ابن أخيه يتولى شؤون وزارة المالية الجديدة!
في تعليق له لوكالة رويترز للأنباء, قال أنتوني كوردسمان خبير الشؤون الشرق أوسطية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن, إن الكثير من العراقيين سوف ينظرون إلى تنصيب أحمد الجلبي على رأس وزارة النفط, بما يشبه تنصيب الثعلب حارساً لبيت الدجاج! وأضاف كوردسمان قائلاً إن ذلك التنصيب, سوف يجعل من السهل جداً على العراقيين, إثارة الشكوك والاتهامات الخاصة بممارسة الفساد في مواردهم النفطية. ثم إن النفط لا يشكل جبهة الاهتمام الأميركي الأمامية هنا في العراق وحده. فهناك في أميركا يدرك كل من الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني، أن الوقت يتسرب من بين أصابعهما, في مواجهة حلول موعد سداد الفاتورة النفطية الضخمة, التي بعثت بها شركات النفط الأميركية في تكساس, إلى العراق جراء الخدمة الكبيرة التي أسدتها للإدارة في شنها للحرب. وحفظاً لهذا الجميل, يدفع كل من هذين الرجلين النفطيين باتجاه إرسال منح نفطية ضخمة إلى تكساس, في وقت تحقق فيه عائدات النفط أرباحاً عالية خرافية, بسبب تصاعد أسعاره في الأسواق العالمية. لكن ومع احتمال تحول وزارة الطاقة العراقية إلى شركة "إنرون" جديدة يقودها رجل واحد, إلى جانب محاولات أحمد الجلبي وبعض القيادات الشيعية, تطهير الحكومة العراقية من عناصر حزب البعث, هناك من يصب الزيت على نار التمرد العراقي, فيستعديه عليها أكثر من ذي قبل.
أما في واشنطن فيتطلع الرئيس بوش إلى جعل العراق ديمقراطية شبيهة بالنظام المعمول به عندنا... ولكن هيهات. فالواقع العراقي هو الذي يقرر مصير تلك التجربة الديمقراطية, حيث يعوث مسؤول رسمي في الموارد والأموال العامة فساداً كما يشاء, وحيث يمكن للدولة الدينية أن تصادر حقوق وحريات النساء, كيفما حلت لها المصادرة. ومن بين الكاسبين الرابحين في مجلس الوزراء العراقي الجديد, الزعيم الشيعي مقتدى الصدر, الذي كان قد لاذ بالفرار إلى فيافي الصحراء العراقية, إثر قيادته لانتفاضتين مسلحتين, أوديتا بحياة الكثير من الجنود العراقيين والأميركيين على حد سواء. فقد حصدت الحركة السياسية التي يقودها, ثلاث حقائب وزارية في المجلس الجديد, هي وزارات الصحة والمواصلات والمجتمع المدني. كما يستطيع حلفاؤه منحه الحصانة القانونية التي تمكنه من استئناف دوره القيادي في الحياة السياسية مجدداً. وفي غضون ذلك, فقد جرى تهميش إياد علاوي الذي سبق له أن وعد بالحفاظ على الطابع العلماني الديمقراطي للحكومة العراقية المنتخبة. وبعد أن تولى إبراهيم الجعفري رئاسة الوزراء الجديدة, فما من سبيل إلى بناء الديمقراطية الأثينية(نسبة لأثينا) التي توهمت إدارة بوش بناءها في العراق.
مورين داوود
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كاتبة ومحللة سياسية أميركية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"














التعليقات