تشهد العلاقات السعودية الأميركية منعطفاً حاسماً نحو عودة الدفء وتحسّن العلاقات بين البلدين، بعد توتر استمر حوالي ثلاثة أعوام، على إثر أحداث 11 سبتمبر الإرهابية. ويثير العديد من المحللين التكهنات حول مستقبل استقرار العلاقات السعودية الأميركية، لذا سنحاول في هذه المقالة تقييم مستقبل تلك العلاقة على ضوء المحددات الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية التي تحكم المصالح بين البلدين.

ذلك أن مجمل المؤشرات ترجح احتمالية استقرار العلاقات لخلق (ما أسماه البيان المشترك لقمة كراوفورد) «شراكة بين البلدين». ولكن ذلك ـ في تقديرنا ـ سيكون محكوماً بخلق مؤسسات تؤطر وتدعم العلاقات الرسمية، فضلاً عن ضرورة تعزيز العلاقات بين مؤسسات المجتمع المدني وقواه الفاعلة في البلدين، وذلك لخلق تفاهم أعمق للحفاظ على علاقات تاريخية مميزة.

وابتداءً لا بُدَّ من التذكير بأن العلاقات السعودية الأميركية اتسمت بقدر كبير من الاستقرار على مدى خمسة عقود في ما قبل أحداث 11 سبتمبر، وذلك بسبب عمق الروابط الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية. وهذه الروابط ما زالت مؤثرة في خلق قواسم مشتركة لعلاقات جيدة.

فعلى المستوى الاقتصادي تعتبر المملكة الشريك التجاري الأول للولايات المتحدة بين الدول العربية، كما تحتل الولايات المتحدة المرتبة نفسها كأول شريك تجاري للمملكة على مستوى دول العالم. ويقدر حجم التبادل التجاري بين البلدين بحوالي 20 مليار دولار سنوياً.

وفي الوقت الذي تمثل فيه الصادرات الأميركية أكثر من 20 في المئة من إجمالي الواردات السعودية من الخارج، تحتل المملكة صدارة دول الأوبك في الصادرات النفطية للولايات المتحدة. كما تلعب دوراً محورياً في المحافظة على استقرار أسعار النفط. ولذا سيظل التعاون الاقتصادي العمود الفقري لأي علاقات راسخة بين البلدين خلال العقد المقبل.

وعلى الجانب الاستراتيجي والسياسي كان التقارب بين البلدين قوياً خلال العقود الماضية، وذلك بسبب التفاهم والتعاون على جملة من القضايا، من محاربة النفوذ الشيوعي، مروراً بالتعاون لتحجيم المدى الثوري لإيران، وانتهاءً بالتحالف لمقاومة الغزو السوفييتي لأفغانستان.

وحقيقة رغم تغيير الخارطة السياسية الدولية بسقوط الاتحاد السوفييتي، فإن التحولات الدولية والإقليمية الجديدة خلقت مستجدات للتعاون الاستراتيجي والسياسي بين البلدين. فالحرب على الإرهاب تمثل إحدى أهم نقاط استمرار التعاون الاستراتيجي، فلا شك أن تنظيم المملكة للمؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب في فبراير الماضي.

وما صاحب ذلك من إصدار لبيان الرياض الداعي لخلق آليات للتعاون الدولي لمكافحة الإرهاب، علاوة على تبني المؤتمر لمقترح المملكة لإنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب، كل ذلك جعل من المملكة شريكاً يُعتمد عليه في قضية استراتيجية تُقلق الولايات المتحدة والعالم. لذا فإن التعاون بين البلدين حول الإرهاب سيشكل محوراً رئيسياً لمستقبل استقرار العلاقات الثنائية.

أيضاً على المستوى السياسي يمثل التقارب السعودي الأميركي حول ضرورة إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي بالوسائل السلمية بوجود دولتين (فلسطينية وإسرائيلية) منطلقاً جديداً للتعاون السياسي بين السعودية وأميركا. فتاريخياً مثل الخلاف حول القضية الفلسطينية عامل توتر في العلاقات السعودية الأميركية.

وذلك بسبب الدعم الأميركي العسكري والسياسي والاقتصادي لإسرائيل، مع عدم اعتراف الولايات المتحدة بالحقوق الفلسطينية المشروعة لإقامة دولة مستقلة. ولذا مثّلت التحولات في الموقف الأميركي، منذ إعلان الرئيس بوش الابن تأييد إقامة دولتين فلسطينية وإسرائيلية.

ثم إعلان خارطة الطريق، وأخيراً الضغوط الأميركية على إسرائيل للانسحاب من غزة في خلق نوع من التقارب والتفاهم مع المملكة حول ضرورة حل القضية الفلسطينية، خاصة وأن المملكة دعمت في الفترة الأخيرة الجهود السلمية بإعلان مبادرة الأمير عبدالله .

والتي تبنّاها مؤتمر القمة العربية في بيروت في 2002، لذا فإن تقارب الرؤيتين السعودية والأميركية حول إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي يعتبر منطلقاً للتفاهم والتعاون السياسي لخلق علاقات مستقرة بين السعودية وأميركا.علاوة على ذلك، يمثل التعاون السياسي والاستراتيجي بين البلدين.

لتحقيق الاستقرار في العراق عنصراً جديداً سيخدم تحسّن العلاقات السعودية الأميركية. فتورط الولايات المتحدة في المستنقع العراقي يدفعها للبحث عن حلفاء إقليميين. وفي هذا السياق ستكون المملكة حليفاً من بين جملة أصدقاء للولايات المتحدة، خاصة مصر والأردن وتركيا.

ستسهم في لعب دور إيجابي لخلق الاستقرار في العراق، لكون المملكة قد تشجع بعض الأطراف السُنّية المعتدلة على المشاركة الإيجابية في العملية السياسية الانتقالية، وحثّ تلك الأطراف على الابتعاد عن سياسة المقاطعة للخطوات السياسية الهادفة لنقل السلطة إلى العراقيين.

بالإضافة لهذه المنطلقات الرئيسية التي ستدفع لتعزيز العلاقات السعودية الأميركية على المستوى الدولي، يبدو أن استمرار الخطوات الإصلاحية الداخلية الهادفة لتعزيز المشاركة وتفعيل دور المرأة من جانب المملكة، وتقليل حدة الانتقادات الأميركية الرسمية وغير الرسمية للثقافة والقيم الإسلامية ومحاولة دمغها بأنها ثقافة تؤسس للعنف وتحثّ على الإرهاب، كل ذلك سيعزز التفاهم الثقافي المشترك.

وحقيقة نلمس ثمة تغييراً في الخطاب الرسمي الأميركي حيال الإسلام وعلاقته بالمملكة، فمثلاً البيان المشترك لقمة كراوفورد ذكر نصاً «أن الولايات المتحدة تحترم المملكة العربية كمنبع للإسلام الذي هو من أعظم الأديان في العالم». لذا فإن الإقرار بسماحة الإسلام واعتداله من قبل الولايات المتحدة سيقود لتعزيز التعاون بين البلدين على أسس من الإقرار بالتعددية والاختلاف الثقافي والديني.

كما أنه سيدفع المملكة كحاضنة للحرمين الشريفين لاتخاذ مواقف تشجع على إشاعة روح الاعتدال والتسامح والوسطية بين الجماعات والدول الإسلامية، وسيُسهم ذلك في سحب البساط من استغلال الإسلام من قبل الجماعات الإرهابية في حربها العبثية تحت دعوى محاربة غير المسلمين.

أخيراً لا بُدَّ من الإشارة إلى أن مجمل المحددات الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية أسهمت تاريخياً في تأسيس علاقات قوية، ولكنها تعرّضت للاهتزاز والتوتر بعد أول امتحان عسير على أثر أحداث 11 سبتمبر، وبالتالي فإنها مُعرّضة للاهتزاز مستقبلاً ما لم تؤطر في هياكل مؤسسية على المستوى الرسمي لتبتعد عن العوامل الشخصية والمبادرات الفردية.

خاصة وأن الولايات المتحدة دولة مؤسسات هذا من جانب، ومن جانب آخر لا بُدَّ أن تخلق أشكالاً من التواصل والحوار بين مؤسسات المجتمع المدني والنخب الاقتصادية والثقافية في البلدين، وذلك لتكريس التواصل مع المجتمع الأميركي، وبناء جسور مع الفعاليات المؤثرة فيه.

لذا يجب ألا تعود إدارة العلاقات السعودية الأميركية إلى سابق عهدها القائمة على الفردية وحسن النوايا، لأن ذلك لن يخدم استقرار مستقبل العلاقات بين البلدين.

ـ كاتب سعودي