لا بد من الاعتراف بأنني من بين هؤلاء الذين يرحبون بل ويشعرون بالسعادة لانعقاد القمة العربية الامريكية الجنوبية يومي الثلاثاء والاربعاء القادمين في برازيليا (10و11مايو الجاري). ويرجع ذلك في الحقيقة الى سببين اساسيين.
أولهما أن هذه القمة التي تشارك فيها 22 دولة عربية و12 دولة من امريكا الجنوبية تشكل اعلانا لتدشين الحوار بين الجانبين وعلى اعلى المستويات.
وهو الحوار الذي دعوت اليه، وان كان بشكل اوسع في موضوع بعنوان «دعوة للحوار العربي اللاتيني« نشر في العدد 55 من مجلة السياسة الدولية في اول يناير 1979م.

وتعود هذه الدعوة المبكرة الى اهتمام بدأ قبل عدة سنوات من ذلك بمنطقة امريكا اللاتينية التي تضم دول امريكا الوسطى وامريكا الجنوبية وكانت من المناطق النشطة سياسيا في ذلك الوقت. أما السبب الثاني فإنه يتمثل في الادراك العميق لحقيقة ان هاتين المنطقتين - حتى لو لم يمتد الحوار الى دول امريكا الوسطى حيث انحصرت الدعوة للقمة في دول امريكا الجنوبية - تمتلكان الكثير من عناصر وعوامل التقارب، ومن ثم الفرصة للسير معا نحو تحقيق مصالح مشتركة ومتبادلة تحتاجها شعوب ودول المنطقتين وتسهم كذلك في الاخذ بيدهما لمواجهة تحديات باتت من القوة بحيث توشك ان تعصف بكثير من الدول في المنطقتين كذلك. واذا كانت الدعوة للحوار بين الدول العربية واللاتينية لم تجد من يسمعها في نهاية سبعنيات القرن الماضي، خاصة وان تلك الفترة كانت فترة تباعد وخلاف مصري عربي من ناحية . وفترة فوران سياسي في امريكا اللاتينية من ناحية ثانية، فضلا عن انشغال العرب بمقترحات ومشروعات الحوار العربي الافريقي والعربي الاوروبي، والحساسية المفرطة للولايات المتحدة لاي اقتراب دولي من دول امريكا اللاتينية التي كانت تنظر اليها - ولا تزال - باعتبارها الحديقة الخلفية لها وفي اطار خبرة شركة الهاتف والتلغراف الامريكية والانقلابات والانقلابات المضادة من بنما ونيكاراجوا والسلفادور، الى هايتي والدومينكان، وصولا الى شيلي وفنزويلا وغيرها ، فإن الموقف الان قد طرأ عليه تغيرات كثيرة كانت كفيلة بنزع اية عناصر حماسية ومن ثم ارسائه على أسس عملية ومصلحية مجردة للطرفين سياسيا واقتصاديا وتقنيا من ناحية. كما انها كانت كفيلة بجعل ما كان متعذرا أمس بسبب امكانية المعارضة أو التدخل او العرقلة الامريكية جعله ممكنا اليوم بل ورفض البرازيل لمشاركة واشنطن في القمة كمراقب. صحيح ان واشنطن ستتابع كل ما يجري في القمة بأساليبها الخاصة ولكن الصحيح هو ان الرفض البرازيلي كان رفضا ذا دلالة لدول المنطقتين ورسالة ذات معنى بالنسبة لاكبر دول أمريكا الجنوبية الطامحة الى شغل مقعد دائم في مجلس الامن الدولي اذا تم الاخذ بمقترحات كوفي عنان الامين العام للامم المتحدة لاصلاح مجلس الامن والتي طرحها مؤخرا.
على اية حال فإنه يمكن الاشارة باختصار شديد الى ما يلي :

اولا : ان من حق الرئيس البرازيلي «لويس ايناسيول ولاداسلفيا« ان نتوجة اليه بالشكر لمبادرتة للدعوة لعقد القمة بين الدول العربية ودول امريكا اللاتينية، لان هذه المبادرة وما اعقبها من تحرك برازيلي نشط منذ عام2003 هي التي دفعت بدرجة كبيرة الىترجمة الدعوة الى واقع. وتزداد اهمية هذه الخطوة اذا وضعنا في الاعتبار قلة الاهتمام العربي بدول امريكا اللاتينية وسواء للشعور العربي الكاذب بأنها منقطة بعيدة او للشعور بأنها دول نامية مثلنا وقد لا يؤدي الحوار والتعاون معها الى فوائد كبيرة وهو تصور خاطئ كذلك.
وعلى ذلك فإنه لم يكن مصادفة ان تكون مكاتب جامعة الدول العربية في تلك المنطقة في مقدمة المكاتب التي تم اغلاقها عندما بدأت الازمة المحلية تفرض نفسها على جامعة الدول العربية . ومن المأمول ان تنهى قمة برازيليا هذا الشعور والتصور غير الحقيقين.
ثانيا: انه بالرغم من ان الاهتمام العربي بأمريكا اللاتينية لم يكن كبيرا «الا انه لم يكن معدوما« فمن المعروف انه كانت هناك علاقات سياسية واقتصادية وتقنية متطورة بين مصر وكل من الارجنتين والبرازيل منذ سنوات القرن الماضي.
كما اثارت العلاقات العرقية الارجنتينية قلق واشنطن في ثمانينات القرن الماضي وقبيل الاطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين فضلا عن ان المكسيك وفنزويلا وهما من الدول العربية المنتجة للنفط من خارج اوبك - المكسيك - ومن داخل اوبك - فنزويلا- لعبا دورا في تقريب العلاقات بين الدول العربية المنتجة للنفط وبين دول تلك المنطقة . يضاف الى ذلك انه في حين ان كوبا - كاسترو كانت لا علاقاتها مع عدد من الدول العربية، فإن بنما خاصة في ظل حكم رئيسها «عمر توريخوس« في سبعينات القرن الماضي تأثرت بالتجربة المصرية في قناة السويس ووقع توريخوس اتفاقا مع الرئيس كارتر تم بموجبة استعادة بنما السيطرة على قناتها مع عام 1997م. والى جانب هذه الخيوط المباشرة من العلاقات - فإن الدول العربية واللاتينية جمعت بينها قضايا مشتركة بدءا من قضايا التحرر الوطني ومقاومة الهيمنة الخارجة وصولا الى قضايا التنمية والتطوير والاصلاح.
ومن الطبيعي ان تجد قضية فلسطين طريقها الى العلاقات بين المجموعتين خاصة وان اسرائيل حاولت كسب تأييد بعض الدول اللاتينية سواء لنقل عاصمتها الى القدس وفتح بعض السفارات اللاتينية فيها او لتأمين اسرائيل بوجه عام .
وكان ذلك من بين العوامل التي لفتت الانتباه العربي احيانا الى ضرورة الاهتمام بالعمل مع دول امريكا اللاتينية .
ثالثا: انه بالرغم من ان عدم وجود خطوط ملاحة مباشرة بين المنطقة العربية وامريكا الجنوبية وبالرغم من ضعف التبادل التجاري الا ان الواقع هو ان هناك امكانية واسعة النطاق سواء للتبادل التجاري وسد الاحتياجات العربية من السلع الغذائية وبعض المنتجات المصنعة او لايجاد اسواق واسعة امام المنتجات والاستثمارات العربية.

واذا كان حجم التجارة بين المنطقتين قد زاد بنسة 50% العام الماضي ليصل الى نحو ثمانية مليارات دولار فإن هناك فرصا واسعة للعرب ولدول امريكا اللاتينية لتحقيق مصالحها يضاف الى ذلك ان البرازيل والارجنتين تملكان قدرات تكنولوجية متطورة يمكن ان تجد اسواقها في المنطقة .
ومن ثم يشكل النفط والغاز وفائض الاموال النفطية والتجارة والاسواق خطوط مصالح مفتوحة بين الجانبين يمكن تدعيمها عبر التفهم السياسي المتزايد لقضايا كل طرف والمساندة المتبادلة في المحافل الدولية ومنها مساندة البرازيل للحصول على مقعد دائم في مجلس الامن الدولي ومساندة مصر للحصول علىمقعد من مقعدي افريقيا ايضا في حالة التصويت على ذلك في الجمعية العامة.
ولان الظروف الدولية قد اختلفت فإن الحوار والتقارب العربي الامريكي الجنوبي هو حوار واعد اذا استطاع العرب استثماره جيدا وبشكل عملي واذا تم الابتعاد به عن صيغ الحرب الباردة التي تجاوزها الزمن دون التفريط لا في المصالح ولا في الكرامة مهما تصاعدت الضغوط.