الرياض: سمر المقرن
العنف ضد المرأة أصبح حقيقة ملموسة في مجتمعنا لا يمكن إخفاؤها خلف أي ستار، رغم عدم وجود إحصائيات عن عدد النساء اللواتي يتعرضن للعنف من قِبل الرجل، سواء كان زوجها أو والدها أو أياً من أقربائها، أو حتى ما تلاقيه من مثيلتها المرأة.
وكانت منظمة الصحة العالمية أعلنت عام 1996، أن العنف مشكلة صحية بسبب الإصابات والعاهات التي تنتج عنه إضافة إلى الأمراض النفسية والعضوية التي يسببها.
وكشفت مديرة مركز النهضة للخدمات الاجتماعية، حسناء سعد مسعود، لـ"الوطن" عن أن المركز بصدد الانتهاء من دراسة رسمية حول العنف ضد المرأة ستكون الأولى من نوعها، حيث لم تتوصل الدراسات حتى الآن إلى إحصائيات أو أرقام للنساء اللاتي يتعرضن للعنف في السعودية، موضحةً أن للمجتمع دوراً رئيساً في تفاقم هذه الجريمة، حيث إن الخلفية التي ينشأ عليها الرجل بأن ضرب الزوجة حق مشروع له كأحد أساليب التأديب، تمنحه مطلق الحرية في ممارسة العنف إضافة لعادات وتقاليد، تعد محفزات رئيسة للعنف، حيث الثقافة السائدة بوجوب تحمل المرأة وهذا ما جعل المرأة السعودية تلتزم الصمت وتحجم عن التبليغ، مؤكدة أن إحجام النساء عن التبليغ يعود إلى عدم وجود من يساندهن في الجهات الرسمية، التي تقف في أغلب الأحيان إلى صف الرجل سواء في المحاكم أو أقسام الشرطة، وهذا من خلال معايشة مديرة الخدمات الاجتماعية لهذه الحالات، مؤكدةً أن عدم حصول المرأة على نتيجة من هذه الجهات يجعلها تلتزم الصمت، مضيفة أن سلطة الرجل في مجتمعنا ومساندة الأنظمة له في حرمان الأم من أطفالها أيضاً، سبب هام، مشيرة إلى أن هذه العوامل المتكتلة ضد المرأة، بحد ذاتها، تصل بها إلى بوابة الأمراض النفسية.
كما يؤكد مختصون أن عدد النساء اللاتي يتعرضن للعنف يشير إلى الصعود، حيث ذكرت تقارير صادرة عن منظمة العفو الدولية وجود مليار امرأة في العالم، أي بمعدل امرأة من كل 3 نساء يتعرضن للعنف الجسدي أو النفسي. ولأن السعودية جزء من هذا العالم، فإن المؤشرات على وجود انتهاكات ضد المرأة ظهرت بصورة ملموسة. وعلى ذلك الأساس قامت جمعية النهضة النسائية بتجهيز دار مخصصة لحماية النساء والأطفال من العنف الأسري.
زارت "الوطن" هذه الدار الكائنة بحي غبيرة جنوب الرياض، وجود الدار في حد ذاته يؤكد تجاوز جمعية النهضة النسائية لمفهوم المساعدات المادية والعينية إلى حماية المرأة من العنف. وفي هذه الدار المكونة من 3 طوابق تعيش نساء مجروحات من ممارسات همجية وجاهلية، كان بطلها في أغلب الأحيان "رجل". وفي الطابق الثالث من الدار توجد سيدتان هما: منيرة وفاطمة، كلتاهما قامت برفع قضايا لطلب الطلاق، حيث كانتا من ضحايا العنف الأسري وكانت السياط تلهبهما، إما بيد الأب أو الأخ أو العم أو حتى الأقارب، وتسكن معهما في نفس الطابق أم نايف، وهي سيدة أربعينية سعودية من أصل لبناني، تخلى عنها زوجها بعد حياة دامت أكثر من 10 سنوات، وتعرضت للعنف الذي كان يُمارس ضدها من امرأة مثلها، هي ابنة زوجها الكبرى. ومنذ ذلك الحين لم تر أبناءها، حيث تبلغ الكبرى 24 عاماً والتالية 23 عاما،ً وأصغرهم نايف الذي لا تعرف ملامحه حتى اليوم وقد بلغ 17 عاماً.
وفي الطابق الثاني تعيش صفية التي هربت من البيت بأطفالها، حيث كانت تعيش عنفاً لا يقاوم ضدها وضد طفليها، سواء كان من زوجها أو من أبنائه الكبار.
وقد يتسبب العنف الذي يُمارس ضد المرأة في دخولها دائرة من المشاكل المتداخلة، حيث إن داخل كل مشكلة تنمو أخرى، وهذا بالضبط ما حدث مع منيرة، التي لجأت مؤخراً إلى دار الإيواء بجمعية النهضة وتقيم في الدار بصورة مؤقتة، نظراً لطبيعة الهدف الذي أنشئت من أجله، فهي تحمي النساء إلى أن تنتهي إجراءاتهن سواء القانونية أو القضائية أو حتى الأسرية، وذلك بعد أن رفعت قبل 5 أشهر قضية بمحكمة الرياض تطلب فيها الطلاق وتقوم الأخصائية الاجتماعية بالدار، سميرة السفياني، بمرافقة كافة النزيلات إلى المحاكم والجهات الأمنية وتتواجد معهن أيضاً أثناء التحقيق.
تهديد الأب بالقتل عرضها للاغتصاب
وتروي منيرة حكايتها لـ"الوطن" من البداية، عندما كانت في السادسة عشرة من عمرها، قبل 7 سنوات، عندما أوقفها والدها عن التعليم في الصف الثاني المتوسط، واستمر في ضربها وإيذائها إن هي طالبت بحقها في التعليم. تقول "بعد أن اجتمعت هذه الظروف على فتاة في هذه المرحلة تعاني من الفراغ بكل أشكاله، بما فيها العاطفي شدني الفضول إلى التعرف على الجنس الآخر، وبالفعل تعرفت أنا وإحدى قريباتي على شابين بينهما صلة قرابة"، مضيفةً "استمرت العلاقة على شكل مكالمات لمدة 3 سنوات، وعدني خلالها بالزواج إلى أن علم أهلي بالموضوع بعد أن قام أحد أقاربي بتسجيل هذه المكالمات، أخبرتني والدتي بأن والدي قد وصلته الحقيقة وأن أقاربي قاموا بقتل ابنتهم التي تشاركني المكالمات والدور علي الآن". وبعد أن خيّم الرعب والفزع على المراهقة منيرة، انطلقت هاربة من المنزل دون تفكير، واتصلت بالشاب لينقذها من الموت، فإذا به يتنصل منها ويهرب هو الآخر من المدينة.
وتتحدث منيرة عما صار إليه وضعها حينئذ، فتقول "إنها وجدت رجلاً أظهر لها الطيبة، وقدم لها كل الحلول التي يمكن أن تساعدها، وكان طلبها محدداً، وهو السفر إلى مدينة الرياض حيث تعيش في وادي الدواسر، وتخشى حتى لو لجأت إلى الشرطة هناك أن يعيدوها إلى والدها الذي يستعد لقتلها حسب ما فهمت من أمها. تضيف منيرة "سافرت مع هذا الرجل براً باتجاه مدينة الرياض، وأثناء الطريق وفي وسط الصحراء، قام باغتصابي، وهنا دخلت في مصيبة أخرى تضاف إلى مصيبة الهروب. وما هي إلا أشهر قليلة حتى ظهرت بوادر الحمل، وتم القبض علينا وأودع في السجن وأنا في مؤسسة رعاية الفتيات، حتى وضعت حملي، فتزوجني بعد وقوف المؤسسة إلى جانبي، وعشت مع هذا الزوج 4 سنوات أصارع فيها جحيمه وجحيم أهله الذين ينعتونها بـ"الزانية".
تؤكد منيرة أنها عاشت طوال تلك السنوات في صراع مرير تتعرض للعنف والضرب من كل اتجاه، فزوجها لا يتفاهم معها إلا بالضرب وكذلك والدته وشقيقاته وحتى طفلتيها, أعمارهما عامين وعام واحد، كانتا تلاقيان عنفاً وضرباً لا يقل عما تلاقيه والدتهما وعلى حد وصفها فإنهم استفردوا بها بسبب أنه لا يوجد خلفها أهل، فوالدها رفضها تماماً في كل مرة تحاول العودة له. ولا يكتفي والدها برفضها، بل أوصى زوجها عند حضوره لعقد الزواج بألا يحضرها إلى بيته أبداً، ولو شعر بعدم الرغبة في الاستمرار بالزواج منها، فإنه موافق على قتلها ورميها كالحيوانات، المهم ألا يراها مرة أخرى.
وعنف نسوي أيضاً ضد النساء
وللتأكيد على أن المرأة قد تمارس العنف ضد مثيلتها تروي أم نايف حكايتها مع زوج أحبها وأحبته، عاشت معه 10 سنوات أنجبت خلالها طفلتين وطفلاً، تقول "جعلني حبي لزوجي أتجاوز عن كل الممارسات السيئة التي تقوم بها ابنته الكبرى، والتي وصلت إلى حد الاعتداء علي وعلى أطفالي بالضرب، حيث تزوجت وعمري 16 عاماً، وابنته في سني"، مضيفةً "لم أكن أتحدث لزوجي عن ممارسات ابنته تفادياً للمشاكل، وحتى لا أُتهم بأني زوجة أب محرضة، وكنت دائماً أعذرها بل وأشفق عليها لأنها يتيمة الأم، إلى أن وصل بها الحال لتحريض زوجي على طلاقي، وبالفعل حصلت على ما تريد بل وحرمتني من أبنائي، فأنا لم أرهم طيلة العشر سنوات سوى البنتين مرة واحدة بعد أن تدخلت أخصائية الدار وأقنعت طليقي بأن يحضر أبنائي لزيارتي، وحضرت البنتان، أما نايف فلم أره منذ طلاقي من والده وكان وقتها عمره 7 سنوات. وتكمل أم نايف "عند زيارة بناتي لي قبل 3 سنوات توسلتا لي بأن تبقيا معي حيث مازالت أختهما الكبرى مستمرة بالعنف تجاههما، حتى بعد طلاقي من والدها وأقنعتهما بالعودة إلا أن رغبتهما بالبقاء بحضني أرغمتهن على الهروب من البيت والحضور إلي بالدار فدخلت في دائرة جديدة من المشاكل، لدرجة أن معذبتي ما زالت تتصل بي في الدار وتطلق عليَّ أنواع الألفاظ البذيئة، ومنذ ذلك الحين وبناتي محبوسات داخل المنزل.
وتعد أم نايف الحالة الاستثنائية الوحيد داخل دار الإيواء، حيث إنه مخصص للحالات الطارئة، وبالتالي فإن الإقامة تكون مؤقتة، وقد اختلف هذا النظام مع أم نايف حيث أكدت القائمات على الدار أنه تم استثناؤها بسبب أنها امرأة بلا معيل، وهم بانتظار أن تتزوج بناتها وقد يلتئم شملها معهن مستقبلاً.
قرار بوقف العنف
وقررت فاطمة أن تضع حداً للعنف الذي يُمارس ضدها منذ الطفولة، حيث جاءت قبل مدة قصيرة من مدينة حائل، وهي يتيمة الأبوين، مؤكدة ممارسة أقربائها العنف ضدها بأشكاله سواء الجسدي أو اللفظي. وعلى الرغم من ملامح الإجهاد والتعب والمعاناة التي تكسو وجه فاطمة، إلا أن الأمل ما زال يراودها في مستقبل يعوضها من جحيم رافقها منذ أن خرجت للدنيا. تقول فاطمة "بعد مشوار طويل عشته في كنف العنف الذي يمارسه الصغير والكبير من أقاربي، انتهى بي المطاف أخيراً مع زوج تجمعه بأقاربي نفس الهواية، وهي ممارسة العنف ضد المرأة، والزوجة على وجه الخصوص. ولهذا قررت ألا أستسلم مرة أخرى، فتقدمت بشكوى إلى الشرطة التي قامت بدورها بتحويلي إلى هذه الدار، حيث شعرت لأول مرة في حياتي بأني امرأة لها كيانها وكرامتها".
مساندة مركز الخدمات الاجتماعية للمرأة
وتؤكد مديرة الخدمات الاجتماعية بجمعية النهضة، حسناء سعد مسعود، أن الدار تستضيف المرأة التي تتعرض للعنف وتحاول المختصات تهدئتها قبل أن تتخذ أي قرار، مضيفة "إما أن تقبل المرأة بالصلح وإما أن تسير في طلب دعوى الطلاق، وفي الحالتين تكون بجانبها الأخصائيات"، مشيرة إلى أنه قبل أي إجراء تبحث المختصات الأسباب المؤدية للعنف. وتستدل مسعود على ذلك بأنه لو كان السبب، على سبيل المثال، بطالة الرجل مما يؤثر سلباً على نفسيته، فيفرغ شحنات غضبه بزوجته، فإن الجمعية تساعده على إيجاد وظيفة لتحسين الوضع والقضاء في الوقت ذاته على سبب لجوئه إلى العنف، وبذلك تعود حياته مع زوجته من جديد بعد التأكد من أن هذا الزوج لن يعاود ممارسة العنف وأخذ تعهدات عليه سواء بحضور أسرته أو في الشرطة.
وأكدت مسعود أن الجهود التي تقوم بها الجمعية مازالت محدودة نظراً لمحدودية الإمكانيات المتاحة، وطالبت بفتح مقرات لإيواء النساء في مناطق متعددة، حيث يخدم مركز النهضة منطقة الرياض فقط. كما طالبت بمساندة المؤسسات المختلفة لدار الإيواء، مشيرة إلى أن الدار لا توجد بها سوى أخصائية اجتماعية واحدة ولديها الكثير من المهام، فالدار بحاجة ملحة إلى متطوعين ومتطوعات في اختصاصات نفسية وطبية واجتماعية.
من جهتها، تشرح عضو مجلس الإدارة المفوض عن مركز الخدمات الاجتماعية بجمعية النهضة النسائية، فوزية الراشد بداية هذه الدار، التي كانت عام 1994، فتقول إنه جاء تلبية لحاجة بعض الأسر التي ترعاها الجمعية والتي تواجه بعض الظروف الصعبة أو الطارئة التي تضطرها لترك المسكن، مضيفةً "أنه أثناء تنفيذ المشروع لوحظ لجوء بعض السيدات لطلب مأوى مؤقت نتيجة لمواجهتهم ظروفا اضطرتهم لترك مسكنهم، كتعرضها للعنف من قبل الزوج أو أحد من أفراد الأسرة، أو تكون خرجت من السجن بعد انتهاء مدتها، فتجد رفضاً من ولي أمرها، فيرمي بها في الشارع مرة أخرى لتتكرر المأساة، مشيرة إلى أن عدد الأسر التي استقبلتها الدار منذ افتتاحها حتى العام الماضي، 152 أسرة تضم أطفالاً ونساءً، وأن مصروفاتهم خلال العام الماضي بلغت 140 ألف ريال. وتوضح الراشد أن الدار تقدم مساعدات مادية وعينية متمثلة في وجبات الطعام والكسوة، كما يوجد خط هاتف في كل شقة مرتبط بسنترال. وتتمكن المقيمات أيضاً من مشاهدة القنوات الفضائية في السكن على عكس دور الإيواء الأخرى التي لا تنقل سوى المحطات الأرضية.
حقوق الإنسان والعنف ضد المرأة
بلغ عدد القضايا التي تابعتها جمعية حقوق الإنسان منذ بدء نشاطها، وحتى هذه الفترة، 1164 قضية، من بينها قضايا متصلة بالعنف الأسري. وتؤكد عضو لجنة الرصد بجمعية حقوق الإنسان، ثريا عابد شيخ، أن الجمعية تقوم بتوجيه المرأة للجهة الصحيحة من حيث الإجراءات القانونية وتعمل على حماية المرأة المتعرضة للعنف بإيوائها بمساعدة الجمعيات الخيرية في بيوت أسر ترشحها هذه الجمعيات، حتى حل المشكلة، مضيفةً "قبل كل شيء نحاول الاتصال بالزوج والتفاهم معه ومعرفة الأسباب التي أدت به إلى ممارسة العنف، ومحاولة إيجاد حلول لهذه المشكلة".
وتروي شيخ قصة إحدى الحالات التي تدخلت بشكل مباشر في حلها ودياً، حيث تقدمت زوجة بشكوى ضد زوجها، بسبب ممارسته العنف ضدها، فتقول "بعد الاتصال بزوج هذه السيدة والتعرف على الظروف التي دفعته لهذا الفعل، وجدت أن الرجل يعاني من ظروف مادية أوصلته لهذا الفعل المشين، مع أنه من داخله رافض لهذه التصرفات، وأبدى ندماً كبيراً على ما بدر منه"، موضحة أن الجمعية ساهمت في حل المشكلة بتوجيه الزوج إلى أحد الجمعيات الخيرية لمساعدته، مشيرةً إلى أن كثيرا من قضايا العنف سواء الجسدي أو النفسي يكون طرفاً فيه الآباء أو أولياء الأمور الذين يرفضون تزويج البنت، مؤكدة بأن هذه النوعية من القضايا تواجه فيها الجمعية عدداً من العراقيل الناتجة عن عدم وجود نظام واضح، بالإضافة إلى عدم تطبيق النظام الذي يشير إلى أن القاضي في هذه الحالة هو ولي أمر الفتاة، مطالبة بتسهيل هذه الإجراءات للحد من ممارسات أولياء الأمور التعسفية ضد المرأة.
الحاجة لأنظمة وتشريعات
ويؤكد المحامي والمستشار القانوني، خالد بن فرح المطيري، ما طرحته شيخ، مضيفاً "أن ما تحتاجه المرأة بالفعل هو إصدار الأنظمة والقوانين التي تكفل حقوقها، بما في ذلك نظام متكامل للأحوال الشخصية وتفعيل الاتفاقيات والمعاهدات التي جاءت منادية لحقوقها وفقاً لمعيار إسلامي حديث، مطالباً بتعديل وسن الأنظمة والتشريعات الداخلية على ضوء ذلك، ويرى أن هذه الغايات لن تتحقق إلا بالسماح للتكتلات والتجمعات النسائية، في شكل مؤسسات اجتماعية مدنية، تعمل على التواصل مع المجتمع بشكل مؤثر لتطوير الخلفية الثقافية للمجتمع فيما يتعلق بشؤون وحقوق المرأة، الأمر الذي سوف يكون حافزاً وداعماً لصدور الأنظمة والتشريعات التي تكفل لها حقوقها في إطار الشريعة الإسلامية.














التعليقات