قبل فترة قريبة، وبعد أسبوع من المداولات، خاطب وزير الثقافة العراقي المثقفين، الذين قدّموا توصياتهم ضمن ورشات العمل في أول مؤتمر لهم في بغداد، يبحث في مستقبل الثقافة العراقية، قائلاً: مهما كانت جُودة التوصيات وصحتها، إلا أن الوزارة لا تملك ميزانية لتطبيقها. لماذا المؤتمر أذاً؟ لكن للحق، ليست وزارة الثقافة الوزارة الوحيدة التي ترفع شعار "الإفلاس". آلاف المتعلمين من خريجي الجامعات، مهندسين وأطباء، عاطلين من العمل، لا يعرفون اليوم ماذا يفعلون، لأن الدوائر الحكومية التي يذهبون إليها بحثاً عن عمل، تستقبلهم دائماً بالحجة المعلوكة: الوزارة لا تملك أموالاً لتعيينات جديدة. وزير الثقافة الشيوعي، الشيعي، الذي أجهزت المحاصصة الطائفية على منصبه، استخدم تلك الحجة طوال مدة حكمه في الوزارة. وليس هناك ما يشير، إلى أن وزير الثقافة الجديد، السني، القومي النزعة، سيكون في حال أحسن، ولا الوزارات الأخرى أيضاً. ما الذي يجري إذن في العراق، البلد الذي يملك أكبر احتياطي نفط في العالم؟
في العراق، في الشارع، أو في تعليقات المثقفين، لا يخفي أحد حقيقة أن الحكومة الحالية، التي تشكلت ناقصة في اللحظات الأخيرة، بعملية قيصرية، لن تختلف كثيراً عن سابقتها بما يتعلق بالسلطات المتاحة لها، إن لم تكن أضعف. ليس بسبب الخلافات التي صاحبت عملية تشكيل الحكومة، والتي شكلت خيبة للمواطنين الذين خاطروا بحياتهم من أجل إنجاح أول انتخابات يُفترض بها أن تكون حرة في العراق بعد خمسين عاماً، إنما بسبب الخلفية الثقافية والسياسية للفريق الذي ضمته وطريقة أدائه. الخلافات التي حدثت هي أمر متوقع، لكن بسبب الظروف التي يمر فيها العراق والتي هي ظروف غير طبيعية، كان يُفترض على القوى السياسية التصرف بمسؤولية والقيام بجهود استثنائية، وليس التفكير في الحكومة مثل غنيمة، والحديث عن الاستحقاقات الإنتخابية، وكأن ليست مهمة الحكومة الحالية، مرحلية تتركز على كتابة دستور دائم بأسرع وقت ممكن، والتحضير للإنتخابات القادمة في نهاية كانون الأول من هذا العام؟
قراءة للتعليقات التي ينشرها بعض المثقفين العراقيين، خاصة أولئك الذين لم تسنح لهم فرصة المشاركة في بناء العراق الجديد، تتفق على أن الصراعات تلك لم تصل إلى هذا المستوى الواطئ، لو كانت هناك في العراق طبقة سياسية ناضجة مزودة برنامجا واضحا، تختلف طريقة أدائها عن طريقة أداء الطبقات السياسية التي تتحكم في البلاد منذ 9 نيسان 2003، والتي تقاتلت فيما بينها، للحصول على هذا المنصب أو ذاك، أكثر مما اختلفت بسبب فلسفتها الإجتماعية وخطابها السياسي. وحتى عندما يُقال: لكن أليس إصرار الأحزاب الشيعية على الحكم، سببه الرغبة في تثبيت دعائم دولة الله في العراق؟ الإجابة: أولاً، أن هذه الأحزاب تختلف في ما بينها أيضاً على تقسيم الغنيمة، وثانياً أنها تعرف، أن الأكراد، حلفاءهم في هذه المرحلة، لن يوافقوا على ما يذهبون إليه، إلا إذا توصل الأكراد والشيعة إلى تحالف غير معلن: أن يُسلموا الجنوب للشيعة، ويُترك الشمال لهم. ربما ذلك ما يفسر التصريح الذي أدلى به الرئيس العراقي الحالي، جلال الطالباني لراديو البي بي سي، بأن المليشيات في العراق قادرة على ضبط الأمن، وهو يقصد ميليشيا منظمة بدر التي أسست في إيران، والميليشيا الكردية.
غنيمة المناصب التي تهافت عليها أكثر من مئة مرشح، تعبر عن نظرة للسلطة فجة ، تجد فيها فرصة سانحة، فريدة، ينبغي استغلالها بسرعة، خاصة وأن التجربتين السابقتين بالحكم أثبتتا ذلك؛ فالعديد من أعضاء مجلس الحكم السابق، لم يحصلوا على مناصب وزارية في حكومة علاوي، الأمر نفسه حدث مع الوزراء من غير الأكراد في حكومة علاوي. ليس غريبا إذاً أن يحدث هذا الفراغ الكبير في السلطة. فغياب البرامج والرؤية السياسية، له علاقة بغياب ثقافة سياسية سوسيولوجية في العراق، بفراغ سياسي وثقافي وحضاري. نظرة متفحصة لسيرة حياة الوزراء السابقين أو الحاليين لا تدعو للتفاؤل، وتؤيد ما نذهب إليه، ويُعزى ذلك إلى وجود رؤية تحلل العالم والمجتمع، بعقلية تعود إلى عصر ما قبل الحداثة، بل إلى المرحلة القروأوسطية (القرون الوسطى). السياسي العراقي اليوم، نهم للسلطة، لا يملك تصوراً أو برنامجاً معيناً لبناء البلد، وهو في الحكم، إنما لأخذ حصته من الغنيمة بأسرع وقت ممكن. ولكن ماذا يعني ذلك بالمحصلة؟ وما هو رد فعل سلطات الإحتلال؟
العراق يملك اليوم ثلاث حكومات: أولاً: حكومة سلطة الإحتلال، التي لها خططها وأجندتها الخاصة بها، تتحرك ضمن برامج وأهداف تُرسم في البيت الأبيض وفي البنتاغون. ثانياً: حكومة "المقاومة" التي ورثت دولة حزب البعث المنهارة، كل الهيكلية التي بناها صدام حسين، من ضباط مخابرات سابقين وقادة ميدانيين عسكريين من فدائيين وقوات الحرس الجمهوري، الذين أختفوا مع أسلحتهم المتوسطة والخفيفة، والتي يتقاسمونها الآن مع حلفائهم الجدد من الجماعات الإرهابية من تنظيم الزرقاوي والقاعدة والجماعات التكفيرية الأخرى. هذه الحكومة تملك هدفاً واضحاً ومعلناً، وهي استطاعت أن تضم إلى صفوفها أصوات مثقفين وصحفيين بعثيين سابقين، من ذوي الكفاءات الإعلامية العالية، الخبراء بفن الترويج والإشاعة وإدارة الحرب النفسية بكل أنواعها. لم تعد هذه الحكومة تحكم قبضتها على الشارع وحسب، فهناك اليوم مناطق مغلقة، تتحرك فيها وتديرها أمنياً وعسكرياً، إنما استطاعت أن تحكم طوقها على العاصمة بغداد، براً وجواً، حتى أصبح الطريق للمحافظات الأخرى وللخارج مخاطرة كبيرة. ويكفي أن نتصور أنه وبعد مرور أكثر من سنتين ما يزال مطار بغداد مغلقاً بوجه الرحلات التجارية. أكثر من ذلك، أنها بدأت تتصرف مثل دولة لها أراضيها وجيشها، فهي التي تطبق الآن شعار "الصدمة والترويع" وليس أميركا التي اخترعت هذا الشعار. دولة "المقاومة" هذه نجحت بعزل الحكومات التي عينها الأميركان. ليس هناك وزير عراقي له علاقة بالناس، أو يجرؤ على الخروج من المنطقة الخضراء، حيث يكتفي أعضاء الحكومة والبرلمان بالإحتماع هناك، ومن يغامر يُقتل. الدليل على ذلك، هو اغتيال النائبات البرلمانيات، اللواتي أصررن على البقاء حيث أقمن في الأحياء السكنية. وعندما أقدم علاوي على مغادرة حدود المنطقة الخضراء تعرض للاغتيال. ربما هذا هو الواجب الذي على الحكومة العراقية القيام به، الذي لا يزعج الحكومة الأولى، سلطة الإحتلال: الإقامة الجبرية في مكان محدد، مثل الرئيس الأفغاني كارازاي، الذي لا تتعدى خطواته باب قصر إقامته، ويخرج فقط للإدلاء بالتصريحات التي تؤكد على بقاء القوات الأميركية. ذلك هو واجب الحكومة العراقية المؤقتة؟
في المحصلة، يقف المواطن العراقي أمام مشهد سوريالي لا يحسده السورياليون عليه، وهو أن في العراق من ناحية: حكومة سابقة منهارة، لكنها أعادت بناء نفسها، واخترقت كل أجهزة الدولة، وهي الآن قوية ومنظمة، تحارب حكومة جديدة مفككة وضعيفة ومرتشية، وعلى الطرف الأخر "الحيادي" حكومة سلطة إحتلال مجهزة بأحدث التكنولوجيا العسكرية، تفسر وجودها اليوم في البلاد الذي دخلت إليه "محررة"، (كما ادعت ذات يوم!) بصفتها حكماً "عادلاً" و"ديموقراطياً"، في مباراة نتيجتها معروفة سلفاً، فالفريقان اللذان يلعبان على أرض الملعب العراقي غير متكافئين: فريق من الدرجة الأولى، متماسك في هيكليته، صاحب خبرة سابقة، متمرس في قوته وبطشه، تدرب بشكل عال ولسنوات طويلة على أيدي مدربين غربيين وأميركيين وبن لادنيين، بمواجهة فريق لا يصلح حتى لأن يلعب في الدوري الرابع، تنقصه الخِبرة، حديث النشأة، ليس هناك ما يجمع بين أعضائه، مُجبر على اللعب سوية، يوزع كراته على أساس طائفي، يهمه العملة المدفوعة له، من غير المهم الإهانات أو الخسارة التي يتعرض لها. كيف لا يتجنب الجمهور العراقي أرض الملعب إذاً، ويحتمي في بيته، خائفاً مذعوراً، وهو يسمع أن المقاومة تستعجل وتتفاوض مع بعض الدول لشراء أسلحة متطورة، وتسعى لبناء محطة فضائية، بينما حكامه الجدد، تحسدهم حتى السلحفاة على بطئهم، يمضون ثلاثة أشهر للتشاور في تشكيل حكومة "مرتشية" جديدة، لن تتعدى مساحتها المنطقة الخضراء؟ كما تساءل روائي عراقي؛ ماذا ننتظر من المواطن العراقي الذي يجد نفسه في دوامة، عليه أن يختار بين ثلاث حكومات: حكومة "مقاومة" تشيع ثقافة القتل، وحكومة "مؤقتة" تشيع ثقافة الغنيمة، وحكومة سلطة احتلال، تشيع ثقافة الكذب العادل؟؟؟
(*) المقال يُنشر تزامناً مع نشره في صحيفة الزوددويتشه تزايتونغ الألمانية














التعليقات