خيرالله خيرالله: بعدما أكد العماد ميشال عون أنه عائد إلى لبنان في السابع من أيار(مايو) الجاري، وعاد حقيقة ممارسا حقا اكثر من طبيعي لمواطن لبناني, يبدو ضروريا اكثر من اي وقت دعوته الى التعاطي مع هذه العودة بهدوء. وذلك لا يكون الا باعتماد المنطق، اي بالعودة الى الاسباب التي اوصلته الى المنفى من جهة والاسباب التي مكنته من العودة الى بلده من جهة اخرى.
ما ادى الى خروج ميشال عون من البلد كان سلسلة من الاخطاء ارتكبها الرجل ولا يريد الاعتراف بها. مثل هذا الاعتراف يفرض عليه امتلاك حد ادنى من الشجاعة يسمح له بالقيام بعملية نقد ذاتي تجعله يبتعد عن الاوهام بدل الغرق فيها. ويمكن على سبييل المثال التساؤل كيف يمكن لقائد عسكري الدخول في مواجهة مع ميليشيا "القوات اللبنانية" من دون حسابات دقيقة للموازين العسكرية؟ كيف يمكن لقائد الجيش اللبناني ان يسمح بانتقال خطوط التماس الى داخل المنطقة الشرقية وان تصير منطقة الضبيه القريبة من بيروت جبهة عسكرية، كذلك الامر بالنسبة الى بلدة القليعات الجبلية وغيرها؟ هل هناك قائد عسكري يرفض الاعتراف بأنه اخطأ وبأن عليه تحمل مسؤولية اخطائه؟ ام ان الكلام بصوت مرتفع واطلاق الشعارات يمكن ان يغطي على الاخطاء العسكرية ومئات القتلى الذين سقطوا نتيجتها؟
كلام كثير يمكن ان يقال عن الاخطاء العسكرية لـ"الجنرال" وكلام اكثر يمكن ان يقال عن اخطائه السياسية خصوصا انه يخلط بين الامرين اذ يصبح عسكريا عندما يتوجب اتخاذ قرارات سياسية، ويتحول سياسيا عندما تكون الحاجة الى قرارات عسكرية. ولكن يبقى ان من ابرز اخطائه السياسية رفضه الخروج من قصر بعبدا بعد انتخاب مجلس النواب رينيه معوض رئيسا للجمهورية. وما لبث رينيه معوض ان استشهد اثر تفجير موكبه بالطريقة نفسها التي استشهد بها الرئيس رفيق الحريري. ويتحمل ميشال عون بطريقة او باخرى مسؤولية غير مباشرة عن اغتيال رينيه معوض نظرا الى انه ابقاه تحت رحمة القتلة في منطقة كانت تسودها الفوضى بدل ان يفتح له ابواب قصر بعبدا.
لا داعي للتذكير بقرار "حرب التحرير" الذي اتخذه "الجنرال" والذي حرر لبنان من اللبنانيين وزاد في هجرة المسيحيين تحديدا، ولا داعي للحديث عن سلسلة الاخطاء السياسية التي اوجدت في مرحلة معينة قطيعة بينه وبين الادارة الاميركية. ولا داعي للاشارة الى عدم فهمه لمساوئ العلاقة مع نظام متهور مثل نظام صدام حسين. ولا داعي للحديث عن استعانته بحزب مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي يعمل لدى الاجهزة السورية كي يحصل على الوقود والذخائر في اثناء حربه مع "القوات اللبنانية" في العامين 1989 و1990.
لا داعي للحديث عن اخطاء اخرى لا تحصى توجت بالسقوط العظيم لـ"الجنرال" نتيجة عدم استيعابه للمتغيرات الاقليمية والدولية اثر الاحتلال العراقي للكويت في 2 اغسطس – آب 1990. وقد ادى ذلك الى ضوء اخضر اميركي مكن سورية من انهاء قضية ميشال عون واخراجه من قصر بعبدا وترحيله الى فرنسا.
يفترض في اخطاء ميشال عون التي تبدو وكأنها صارت جزءا لا يتجزأ من شخصيته، ان تحمله على اتخاذ موقف سياسي يتسم اول ما يتسم بحد ادنى من التواضع في التعاطي مع الآخرين. ومعنى ذلك ان على العماد ميشال عون النظر الى الاوضاع بطريقة ومقاييس مختلفة. ومثلما ان كل لبناني صادق يعترف بأن انصار "الجنرال" في الولايات المتحدة لعبوا دورا مهما على صعيد التغيير الذي طرأ على السياسة الاميركية تجاه لبنان، الا ان الامر الذي لا يمكن تجاهله في الوقت ذاته هو ان الفضل في التحول الاميركي والاوروبي يعود الى الشعب اللبناني كله بكل فئاته. هذا الشعب صار يعرف انه قادر على صنع المعجزات في حال حافظ على وحدته التي صنعتها الافعال وليس مجرد الاقوال. والافعال تعني اول ما تعني الاستفادة من الاوضاع الاقليمية والدولية لاعادة بناء البلد اي اعادة بناء الانسان واعادة بناء المدن وانشاء بنية تحتية سمحت بعودة لبنان الى الخريطة السياسية للمنطقة...وبعودة ميشال عون الى أهله ووطنه ومحبيه الكثر.
يبقى انه لا يمكن الا شكر العماد ميشال عون او "الجنرال" كما يحب ان يسمي نفسه على مواقفه المبدئية التي لا يمكن لاحد ان ينكرها، ولكن من الصعب في الوقت نفسه التغاضي عن اخطائه السياسية والعسكرية التي ساهمت في ايصال البلد الى ما وصل اليه في مرحلة معينة حين دخل الجيش السوري وزارة الدفاع وقصر بعبدا واحكم سيطرته على كل الارض اللبنانيـة.
هذا ليس وقت تصفية الحسابات مع ميشال عون او مع غيره. ولكن هذا وقت للقول له ان من الافضل لو ان الرجل، الذي يستأهل كل خير، يخفف قليلا من عنجهيته ويستمع قليلا الى نصائح سياسيين لبنانيين عجنتهم الحياة. ذلك انه في حال مثل حال الجنرال عون، يظل الاستماع للآخرين عن المشاكل الحقيقية التي تواجه لبنان وتلك التي تواجه المعارضة على وجه التحديد افضل بكثير من العنتريات التي تؤخر ولا تقدم. يكفي ان العنتريات تعتبر الطريق الاقصر لتفكيك المعارضة والعودة الى ممارسات سئم منها اللبنانيون. انها ممارسات يتقنها "الجنرال" ودفعت احد السياسيين الظرفاء الى القول قبل ما يزيد على ستة اشهر وفي وقت كانت المعارضة بدأت تتخذ طابعا لبنانيا شاملا بضمها شخصيات واحزاب من كل الطوائف: لو كنت مكان السوريين ومكان الرئيس اميل لحود لكان اول ما فعلته ان طلبت من العماد عون، العودة الى بيروت بل رجوته فعل ذلك. انه الطريق الاقصر لشق صفوف المعارضة!
هل يستفيد ميشال عون من مثل هذا الكلام فيعود الى بيروت ليأخذ مكانه الطبيعي في صفوف المعارضة بدل العمل على تشتيتها؟ هل يعود ويسأل نفسه من اعاد بناء المدينة وهل كانت له مساهمة في فتح شارع امام السير او ازالة متراس ام ان المطلوب منه اعادة المتاريس بين اللبنانيين وبين المسيحيين تحديدا؟
ان التحدي الاكبر الذي واجه لبنان في السنوات الاخيرة، في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف كان يكمن في اعادة بناء البشر والحجر في ظروف اقل ما يمكن ان توصف به انها في غاية التعقيد والخطورة. وعملية البناء هذه اخرجت اخيراً سورية من لبنان لان اللبناني صار يعرف ان بلده موضع فخره واعتزازه وانه يستأهل ان يدافع عنه، وان لبنان لجميع ابنائه وان المشاكل الداخلية تحل بين اللبنانيين من دون تبجح بمن كان قبل من في المعارضة. اذا استطاع ميشال عون فهم هذه المعادلة، يكون ادى خدمة للبنان، خدمة حبذا لو استطاع تأديتها في العام 1989 عندما كان عليه ان يخرج من قصر بعبدا معززا مكرما ليؤمن انتقالا هادئا للسلطة. وقتذاك، كان وفر على لبنان الكثير من الخسائر... وكان دخل التاريخ من ابوابه الواسعة.















التعليقات