تركي عليالربيعو:

في مقالة لافتة للنظر “نهب العراق سعياً الى “يوتوبيا” المحافظين الجدد”، نشرتها الصحافية الأمريكية نعومي كلاين في شهرية “هاربرز ماجازين” الأمريكية، عدد سبتمبر/أيلول 2004 وذلك بعد عودتها من العراق ومعاينتها للواقع المأساوي الذي انتهى اليه العراقيون على يد “النهابين الجدد”، يلفت نظر نعومي في أحد شوارع بغداد اللافتة الضخمة المرفوعة فوق سطح بناية من ثلاثة طوابق، فثمة سنبلة الى جانبها مكتوب عليها عسل طبيعي 100 في المائة صنع في السعودية. تقول نعومي : عندما رأيت اللافتة لم أتمالك نفسي عن التفكير في الشيء كان السناتور جون ماكين قد قاله في أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، قال ان العراق “اناء عسل ضخم يجتذب أعداداً كبيرة من الذباب” وكان الذباب الذي أشار اليه ماكين شركات هالبيرتون وبيكتيل وكذلك الرأسماليون المغامرون الذين تدافعوا الى العراق في الطريق الذي مهدته لهم عربات القتال “براد لي” والقنابل الموجهة بأشعة الليزر.

ترفض نعومي كلاين وجهة النظر السائدة التي مفادها، ان ادارة الرئيس بوش لم تخطط لمرحلة ما بعد الحرب وهذا ما يفسر كل تلك الأخطاء القاتلة والمدمرة، فمن وجهة نظرها ان الرئيس بوش ومساعديه كانوا يملكون خطة لما بعد الحرب، ولكنها خطة بسيطة، بأن يفرش أكبر قدر ممكن من العسل وينتظر قدوم الذباب، وهذه من وجهة نظرها هي “نظرية العسل” التي هي ناتج اعتقاد كبير بين المهندسين الايديولوجيين للحرب : فالجشع خير، ليس لهم وحسب، بل لأصدقائهم وللانسانية جمعاء، فالجشع يخلق الأرباح التي تخلق النمو، الذي يخلق الوظائف...الخ.

الجشع لا يخلق الأرباح وحسب، بل يخلق مزيداً من العملاء الذين ركضوا وراء عربات “هامر”، فالعراق ليس مجرد كعكة يتناهبها الأقوياء، بل اناء عسل كبير يتقاطر من حوله الطامعون، ولذلك ليس غريباً أن يقال إن وزراء المرحلة الانتقالية يتقاضون من الرواتب ما يفوق الدهشة.

في كتابه “فتح أمريكا: مسألة الآخر” يكتب تزفيتان تودوروف واعتماداً على وثائق الفتح الأمريكي للقارة المجهولة أن كريستوفر كولومبوس وخلفاءه من بعده كانوا يظنون أنفسهم خلفاء الله في أرضه الجديدة، بحسب كولومبوس “آدم في الجنة” وكان عليهم أن يجمعوا أكبر كمية ممكنة من الذهب، بصورة أدق، نهب القارة بأكملها مهما كانت الآلام التي ترافقها، وهذا ما حدث في العراق، الذي لا يزيد على كونه “حلماً رأسمالياً” كما وصفه بريمر الذي تحول من دبلوماسي في عهد ادارة ريغان الى مقاول في العراق يوزع الصفقات في جميع الاتجاهات، ويوزع الهبات على من حباهم بالوزارة والادارة. فلم يعد العراق أنبوب اختبار الحرب الاستباقية، بل أصبح بلداً مفتوحاً للبيزنس والقول أيضاً لبريمر، والبيزنس كما هو معروف يولد المزيد من الجشع، الجشع الذي قاد الى تدمير بلد بأكمله ونهبه بأكمله. ما يلفت نظر نعومي كلاين هو هذا اللقاء الذي يأخذ صيغة التحالف بين أصحاب نظرية “السنة الصفر” من العراقيين القادمين على ظهر عربات “براد لي” والذين يرون أن المطلوب هو تدمير العراق وتسويته بالأرض تماماً واجتثاث البعث، وبين المحافظين الجدد في البيت الأبيض. تقول كلاين “ كانت كراهية الجلبي الشديدة لدولة البعث تناسب تماماً كراهية المحافظين الجدد للدولة بوجه عام، فامتزج جدول أعمالهما بلا أي مجهود، ومعاً أصبحا يتخيلان غزو العراق نوعاً من النشوة الدينية”. كان أحمد الجلبي نائب رئيس الوزراء العراقي ابراهيم الجعفري ووزير النفط بالوكالة، هو من أصحاب “السنة صفر”، فقد كان تواقاً، تحدوه رغبة بالثأر، الى رؤية العراق محترقاً بالكامل عدا وزارة النفط نواة العراق الجديد وحلمه الرأسمالي والأهم “عنقود الخلايا التي تخرج منها أمة بأكملها” كما تتهكم كلاين.

ان الجلبي يمسك الآن بعنقود العنب وملامح النشوة الدينية تغزو محياه، فقد فاز بما يطمح اليه، وبما من شأنه أن يرضيه ويرضي حلفاءه،وهذا ما دفع كودي “وزيرة الخارجية” الى تهنئته بعد فترة من الجفاء والشكوك تمفصلت مع اتهامات عديدة للجلبي. ولكن ما يعكر صفو هذه النشوة الدينية التي تجمع الجلبي بقادة الفتوحات، أن الغزو الأمريكي للعراق لم يكن مجرد رقصة زنجية من بدايته الى نهايته، فوتيرة العمليات في تزايد، وحظوظ النجاح في العراق كما يقدرها أنتوني كوردسمان في شهادته أمام الكونجرس هي نسبة 50% في أفضل الأحوال، لا بل ان كوردسمان طالب أمريكا بالاعتراف بالفشل والانسحاب من العراق. والخوف كل الخوف أن الذباب الذي اجتذبه العسل، قد يسقط في العسل دون أن يتمكن من تحريك جناحيه وقد يموت إما غارقاً في العسل أو على أيدي المقاومة وهذا من شأنه أن يعكر كل تلك النشوة التي تزين ملامح الكثيرين.